قوله تعالى: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} راجع إلى الفَتَيات، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصُّن فحينئذٍ يمكن ويتصوّر أن يكون السيد مكرهاً، ويمكن أن ينهى عن الإكراه.
وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور أن يقال للسيد لا تكرهها؛ لأن الإكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للزنى.
فهذا أمر في سادة وفتيات حالُهم هذه.
وإلى هذا المعنى أشار ابن العربي فقال: إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن من المرأة لأن ذلك هو الذي يصوّر الإكراه؛ فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى لم يتصوّر إكراه، فحصِّلُوه.
وذهب هذا النظرُ عن كثير من المفسرين؛ فقال بعضهم قوله:"إن أردن تحصُناً"راجع إلى الأيامى.
قال الزجاج والحسين بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير؛ أي وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصناً.
وقال بعضهم: هذا الشرط في قوله:"إن أردن"مُلْغًى، ونحو ذلك مما يَضْعُف.
والله الموفق.
قوله تعالى: {لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا} أي الشيء الذي تَكْسِبه الأَمَة بفرجها، والولد يُسترقّ فيباع.
وقيل: كان الزاني يفتدِي ولده من المزنيّ بها بمائة من الإبل يدفعها إلى سيدها.
قوله تعالى: {وَمَن يُكْرِههُنَّ} أي يقهرهن.
{فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ} لهن {رَّحِيمٌ} بهن.
وقرأ ابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن جبير"لهن غفور"بزيادة لهن.
وقد مضى الكلام في الإكراه في"النحل"والحمد لله.
ثم عدّد تعالى على المؤمنين نعمه فيما أنزل إليهم من الآيات المنيرات، وفيها ضرب لهم من أمثال الماضين من الأمم ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 13 صـ}