الثاني: إن يكونوا فقراء إلى المال يغنهم الله إما بقناعة الصالحين ، وإما باجتماع الرزقين ، وروى عبد العزيز بن أبي رواد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اطْلُبُواْ الغِنَى فِي هذِهِ الآية" {إِن يَكُونَواْ فُقَرآءَ يُغْنهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} .
{وَاللَّهُ وَاسَعٌ عَلِيمٌ} فيه وجهان:
أحدهما: واسع العطاء عليم بالمصلحة.
الثاني: واسع الرزق عليهم بالخلق.
قوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} أي وليعف ، والعفة في العرف الامتناع من كل فاحشة ، قال رؤبة:
يعف عن أسرارها بعد الفسق.
يعني عن الزنى بها.
{حَتَّى يَغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} يحتمل وجهين:
أحدهما يغنيهم الله عنه بقلة الرغبة فيه.
الثاني: يغني بمال حلال يتزوجون به.
{وَالَّذيَنَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِم خَيْراً} أما الكتاب المبتغى هنا هو كتابة العبد والأمة على مال إذا أدياه عتقا به وكانا قبله مالكين للكسب ليؤدي في العتق ، فإن تراضى السيد والعبد عليها جاز ، وإن دعا السيد إليها لم يجبر العبد عليها.
وإن دعا العبد إليها ففي إجبار السيد عليها إذ علم فيه خيراً مذهبان:
أحدهما: وهو قول عطاء ، وداود ، يجب على السيد مكاتبته ويجبر إن أبى.
الثاني: وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء أنه يستحب له ولا يجبر عليه فإذا انعقدت الكتابة لزمت من جهة السيد وكان المكاتب فيها مخيراً بين المقام والفسخ.
{إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} خمسة تأويلات:
أحدها: أن الخير ، القدرة على الاحتراف والكسب ، قاله ابن عمر وابن عباس.
الثاني: أن الخير: المال ، قاله عطاء ومجاهد.
الثالث: أنه الدين والأمانة ، قاله الحسن.
الرابع: أنه الوفاء والصدق ، قاله قتادة وطاووس.
الخامس: أنه الكسب والأمانة ، قاله الشافعي.