أعلمنا - جلَّ جلالُه - أنه قد مثل لمن قبلنا في التعريف به كما مثل لنا بمثل ما مثله لهم أو بما
يقاربه ذلك؛ لييسر مأتي الذكرى للمتذكرين، ونصَّ على أن هذا المثل هو من تلك
الأمثال كما قال: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(43)
فمتى مرَّ عليك في تلاوتك مثل من الأمثال فتوقف وتدبر واستعن
بالله، وسله التشديد لإصابة الصواب، ففي الأمثال العلم وعلي المعرفة، فافهم.
وفيهن معالي المعاني التي لم تعهد النفوس لها مثالات، ولا سبقت إليها لها
أشباه، فليمثل لها من المشهودات مثالات، ومن المعهود في الموجودات ما يكون
فيه وصف من أوصاف المطلوب، والعقل يقضي بالتنزيه للرفيع، والإيمان يوجب
المثل الأعلى للعلي، ولولا الفعل لم يعلم الفاعل، ولولا الأسامي لجهل الاسم
والمسمى؛ لذلك قال وقوله الحق: (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(43) . ثم
قال: (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ(44) .
ورؤية المتقين أعرف في سبيل العبرة من رؤية سائر المؤمنين لذلك - وهو
أعلم - قال: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) وذلك أن لروح التقي روحًا تحيى به
حياة إلى حياة الإيمان، فلثاقب أنوار بصائرهم وصفاء موجود بواطنهم أضاء لهم
وجود الموجودات، ذلك لاتصال نور الحق الموجود به الموجودات بأنوار
بواطنهم، مع اتصال اشتعال نيران أفكارهم المستمدة بوقود مصابيح إيمانهم،
الموجود عن خالص زيت الشجرة المباركة، شجرة الحق المفطور عليها خلقهم
المخلوق به السماوات والأرض وما بينهما، القائمة بين العدل والفضل، الثابت
أصلها بحيث لا حيث ليست بشرقية ولا غربية.
(يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ) في صفاء زجاجات قلوبهم، لخطير ذكاء
ثاقب أذهانهم دون نيران الأفكار أن يمسه إيقادًا لمصابيح الإيمان في بيوت
صدورهم، واستسراجًا لشموس الإيقان المشرقة في ذوات قلوبهم وظاهر جوارحهم. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 4/ 141 - 145} ...