أحدهما: أن من قال لعبده:"إذا أديت إليَّ كذا فأنت حر"، فحط عنه بعض ذلك، فأدَّى البقية - لم يعتق حتى يؤدي الكل؛ فدل أن قوله: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) ليس على الوجوب، ولكن على الاختيار.
والثاني: أنه لا يسمى بعد الأداء: مكاتبا، وإنما هو حر، وإنما ذكر الإيتاء إياهم وهم مكاتبون حيث قال: (فَكَاتِبُوهُمْ) ، ثم قال: (وَآتُوهُمْ) ، فلو كان على ما يقوله قوم، لكان ذلك باطلا؛ للوجهين اللذين ذكرناهما، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) .
ليس قوله: (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) بشرط فيه؛ لأنهن لا يكرهن على البغاء وإن لم يردن التحصن، دل أن ذلك ليس بشرط فيه، ولا يمكن الإكراه فيه إذا كن أطعن فيه، لكنه خرج ذلك على ما ذكر في القصة: كانوا يكرهونهن على الزنا ابتغاء المال، وهن كُنَّ يردن التحصن، فخرج الخطاب والنهي على فعلهم، دون أن يكون ذلك شرطا فيه.
أو أن يكون ذلك إكراهًا إذا كن مطاوعات في ذلك.
وفيه دلالة بطلان المتعة وفسادها؛ لأنهم كانوا يكرهون إماءهم على أن يؤاجروا أنفسهن للزنا ابتغاء الأجر، وليست المتعة إلا كذلك.
وقال أهل التأويل: إن الآية نزلت في نفر من المنافقين عبد اللَّه بن أُبي وفلان وفلان كانوا يكرهون فتياتهم على الزنا ابتغاء عرض الدنيا، فإن كان ما ذكروا، ففيه دلالة أن الزنا حرام في الأديان كلها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: يرجع إلى الإماء يقول: فإن اللَّه من بعد إكراههن غفور رحيم لهن، وكذلك روي في بعض الحروف أنه قرئ: (فإن اللَّه من بعد إكراههن لهن غفور رحيم) .
والثاني: يرجع إلى السادات؛ فإن اللَّه لهم غفور رحيم إذا تابوا، وأصلحوا. واللَّه أعلم.