وقال قائلون: (خَيْرًا) ، أي: حرفة، ورووا في ذلك خبرًا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مفسرا عن يحيى بن كثير قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"إن علمتم فيهم خيرًا - أي: حرفة - ولا ترسلوهم كَلًّا على الناس". إن ثبت هذا لا نحتاج إلى غيره من التفسير، ولو كان قال: إن علمتم لهم خيرًا، جاز أن يقال: معنى (خَيْرًا) مالًا، ولكنه قال: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) [الجاه الذي] والمال لا يكون فيهم، وإنما يكون لهم؛ فأشبه ذلك - واللَّه أعلم - أن يكون الخير حرفة في الخير أو وفاءه، وأمانته، ثم في الآية دلالة أن العبيد لا يملكون شيئا؛ لأنهم لو كانوا يملكون لكان يرغبهم ويحثهم على العتاق دون الكتابة، فدل ترغيبه إياهم عليها أنهم لا يملكون حتى تجعل الكتابة الكسب لهم والخدمة دون المولى.
وفي الكتابة أيضًا نظر للموالي؛ لأنهم إن قدروا على وفاء ما قبلوا أداءه، وإلا كان للموالي ردهم إلى منافع أنفسهم، ولو كان عتقًا لم يملكوا ردهم إلى منافع أنفسهم،
ويبطل حقهم بلا شيء يصل إليهم، واللَّه أعلم.
وفي قوله: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) دلالة القول بعلم العمل على ظاهر الأسباب دون تحقيق العلم به، حيث قال: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) وإنما يوصل ما ذكر من الخير بأسباب تكون لهم على نحو ما ذكروا فيه من الحرفة والوفاء وأداء الأمانة وأمثاله، وذلك أسباب توصل إلى الخير على أكبر الظن والعلم لا على الحقيقة.
وفيه دلالة العمل بالاجتهاد على ما يرى بهم من ظاهر الأسباب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) اختلف في خطابه:
قال الحسن وغيره: هو شيء حث الناس عليه مولاه وغيره، فيخرج ذلك على وجهين: