وَأَيْضًا فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: (الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ) فَالْوَاجِبُ إذًا أَنْ لَا يَسْقُطَ شَيْءٌ ، وَلَوْ كَانَ الْإِيتَاءُ مُسْتَحَقًّا لَسَقَطَ ، وَإِنْ كَانَ الْإِيتَاءُ مَجْهُولًا فَالْوَاجِبُ أَنْ يَسْقُطَ ذَلِكَ الْقَدْرُ فَتَبْقَى الْكِتَابَةُ عَلَى مَالٍ مَجْهُولٍ.
فَإِنْ قِيلَ: رَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ كَاتَبَ غُلَامًا لَهُ فَتَرَكَ لَهُ رُبُعَ مُكَاتَبَتِهِ وَقَالَ: إنَّ عَلِيًّا كَانَ يَأْمُرُنَا بِذَلِكَ ، وَيَقُولُ: هُوَ قَوْلُ اللَّهِ: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} .
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: (تُعْطِيهِ رُبُعًا مِنْ جَمِيعِ مُكَاتَبَتِهِ تُعَجِّلُهُ مِنْ مَالِكَ) .
قِيلَ لَهُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا ذَلِكَ وَاجِبًا وَأَنَّهُ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا عِنْدَهُمْ لَسَقَطَ بَعْدَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ هَذَا الْقَدْرُ ؛ إذْ كَانَ الْمُكَاتَبُ مُسْتَحِقًّا لَهُ وَلَمْ يَكُنْ الْمَوْلَى يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا.
فَإِنْ قِيلَ:
قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ مَالُ الْكِتَابَةِ مُؤَجَّلًا وَيَسْتَحِقُّ هُوَ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ مَالِهِ مِقْدَارَ الرُّبُعِ فَلَا يَصِيرُ قِصَاصًا بَلْ يَسْتَحِقُّ عَلَى الْمَوْلَى تَعْجِيلَهُ فَيَكُونُ مَالُ الْكِتَابَةِ إلَى أَجَلِهِ ، كَمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ فَيَصِيرُ لِلْمَدِينِ عَلَى الطَّالِبِ دَيْنٌ حَالٌّ فَلَا يَصِيرُ قِصَاصًا لَهُ.