رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: (مَا أَرَاهُ إلَّا وَاجِبًا) ، وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ: (أَنَّهُ أَمَرَ أَنَسًا بِأَنْ يُكَاتِبَ سِيرِينَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَأَبَى فَرَفَعَ عَلَيْهِ الدِّرَّةَ وَضَرَبَهُ وَقَالَ: فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ، وَحَلَفَ عَلَيْهِ لِيُكَاتِبَنَّهُ) .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: (إنْ كَانَ لِلْمَمْلُوكِ مَالٌ فَعَزِيمَةٌ عَلَى مَوْلَاهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ) .
وَرَوَى الْحَجَّاجُ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: (إنْ شَاءَ كَاتَبَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْ إنَّمَا هُوَ تَعْلِيمٌ) ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشُّعَبِيِّ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا تَرْغِيبٌ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَيْسَ بِإِيجَابٍ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ} ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي قِصَّةِ سِيرِينَ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَحَكَمَ بِهَا عُمَرُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَنَسٍ لِمُكَاتَبَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ أَنَسٌ أَيْضًا يَمْتَنِعُ مِنْ شَيْءٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهَا وَاجِبَةً لَمَا رَفَعَ عَلَيْهِ الدِّرَّةَ وَلَمْ يَضْرِبْهُ.
قِيلَ: لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ كَالْوَالِدِ الْمُشْفِقِ لِلرَّعِيَّةِ ، فَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ الْحَظُّ فِي الدِّينِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ وَالْمَصْلَحَةِ.