ثم يقول سبحانه: {والمقيمي الصلاة . .} [الحج: 35] لأن الصلاة هي الولاء الدائم للعبد المسلم ، والفرض الذي لا يسقط عنه بحال من الأحوال ، فالشهادتان يكفي أنْ تقولها في العمر مرة ، والزكاة إنْ كان عندك نِصَاب فهي مرة واحدة في العام كله ، والصيام كذلك ، شهر في العام ، والحج إنْ كنتَ مستطيعاً فهو مرة واحدة في العمر ، وإنْ لم تكُنْ مستطيعاً فليس عليك حج .
إذن: الصلاة هي الولاء المستمر للحق سبحانه على مَدار اليوم كله ، وربك هو الذي يدعوك إليها ، ثم لك أنْ تُحدِّد أنت موعد ومكان هذا اللقاء في حَضْرته تعالى ؛ لأنه سبحانه مستعد للقائك في أيِّ وقت .
وتصور أن رئيس الجمهورية أو الملك مثلاً يدعوك ويُحتِّم عليك أنْ يراك في اليوم خمس مرات لتكون في حضرته ، والحق سبحانه حين يدعو عباده للقائه ، لا يدعوهم مرة واحدة إنما خمس مرات في اليوم والليلة ؛ لأنه سبحانه لا يتكلف في هذه العملية تكرار لقاءات ، فهو سبحانه يَلْقَى الجميع في وقت واحد .
ولما سئل الإمام علي - رضي الله عنه -: كيف يُحاسب اللهُ كلَّ هؤلاء الناس في وقت واحد؟ قال: كما أنه يرزقهم جميعاً في وقت واحد .
وقوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الحج: 35] لا ينفقون من جيوبهم ، إنما من عطاء الله ورزقه .
ومن العجيب أن الله تعالى يعطيك ويهبُكَ ويُغدِق عليك تفضلاً منه سبحانه ، فإذا أرادك تُعين محتاجاً قال لك: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً . .} [الحديد: 11]
وكأن الله تعالى يقول لنا: أنا لا أعود في هبتي ولا عطائي ، فأقول: أعْطِ ما أخذتَه لفلان ، بل إنْ أعطيتَ الفقير من مالك فهو أيضاً لك مُدَّخر لا يضيع ، فرِزْقك الذي وهبك الله إياه مِلْكك ، ولا نغبنك في شيء منه أبداً ، فربّك يحترم ملكيتك ويحترم جزاء عملك وجدِّك واجتهادك .