فكان كل هذا فيما يتبادر لنا من حكمة الله في الإبقاء على طقوس وتقاليد الحجّ في الإسلام مهما بدا في بعضها من غرابة ومن عدم تبيين الناس حكمة لها الّا بعد تجريدها من آثار الوثنية والشرك ومشاهد القبح، مثل الطواف بالعري وجعله فرضا على المستطيعين من المسلمين ولو مرة في العمر ليكون لهم في ذلك فرصة سنويّة متجدّدة، فتأتي فئات منهم في كل سنة من كلّ صوب من أقطار الدنيا إلى مهبط وحي الله وبيته العتيق ليعلنوا خضوعهم له على صعيد واحد، متساوين في كلّ مظهر وليتقرّبوا إليه بالعبادة والأضاحي والصدقات والنذور، ولينتفعوا بشتى وجوه الانتفاع الروحي، والرياضي، والاجتماعي، والاقتصادي، والشخصي، والسياحي، والتعارفي، والسياسي. ولتكون رابطة دينية متجددة تظل تربط المسلمين في كافة أنحاء الدنيا وفي كلّ ظرف ما دامت الدنيا قائمة بمهبط وحي الله ورسالته على خاتم أنبيائه ورسله كمظهر من مظاهر شكر الله واحترام البلد العربي الذي اختصّه الله بذلك.
ويتراءى لنا في الإبقاء على هذا التقليد بعد تجريده من شوائب الشرك
ومشاهد القبح كالطواف في حالة العري تلقين جليل آخر، وهو أن المهم في الدعوة الإسلامية هو التوحيد، وكل ما فيه كفالة خير الناس ومصالحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. وليس المهم هو هدم القديم مطلقا، فما كان متناقضا مع ذلك المهم فيجب هدمه بما هو الأصلح والأفضل والأوجب. وليس من حرج من بقاء قديم لا يتناقض مع ذلك إذا كان في بقائه فوائد ينتفع بها المسلمون أو إذا كان في هدمه إثارة للنفوس.
ولقد قال بعض المفسّرين»
إن العرب كانوا لا يأكلون من لحوم أضاحيهم التي ينحرونها في موسم الحج، وإن الآية [28] قد أحلّت ذلك للمسلمين. ومع أن الآيات هي بسبيل الاستطراد كما قلنا فإن في استنباط حلّ أكل صاحب القربان من لحم قربانه وجاهة ظاهرة.
وتعبير وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ بعد كلمة الطائفين في الآية [26] قد يلهم أن القيام والركوع والسجود على التوالي- وهو شكل الصلاة الإسلامية- قد كان ممارسا عند الكعبة قبل الإسلام بالإضافة إلى الطواف حولها.