وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ: «كُنْت فِي مَجْلِسِ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ وَهُوَ فِي قَضَائِهِ، حَتَّى تَقَدَّمَ إلَيْهِ رَجُلَانِ، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ حَقًّا، فَأَنْكَرَهُ، فَقَالَ: أَلَك بَيِّنَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، ادْعُ فُلَانًا، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهِ إنْ شَهِدَ عَلَيَّ لَيَشْهَدَنَّ بِزُورٍ، وَلَئِنْ سَأَلْتَنِي عَنْهُ لَأُزَكِّيَنَّهُ؛ فَلَمَّا جَاءَ الشَّاهِدُ قَالَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إنَّ الطَّيْرَ لِتَضْرِبَ بِمَنَاقِيرِهَا، وَتَقْذِفَ مَا فِي حَوَاصِلِهَا، وَتُحَرِّكَ أَذْنَابَهَا مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ شَاهِدَ الزُّورِ لَا تُقَارُّ قَدَمَاهُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى يُقْذَفَ بِهِ فِي النَّارِ
ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: بِمَ تَشْهَدُ؟
قَالَ: كُنْت أُشْهِدْت عَلَى شَهَادَةٍ وَقَدْ نَسِيتُهَا، أَرْجِعُ فَأَتَذَكَّرُهَا، فَانْصَرَفَ وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ»، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ فَقَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارَ ثنا زَافِرٌ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ قَالَ: «كُنْت عِنْدَ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، فَاخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلَانِ، فَشَهِدَ عَلَى أَحَدِهِمَا شَاهِدٌ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ شَهِدَ عَلَيَّ بِزُورٍ، وَلَئِنْ سُئِلَتْ عَنْهُ لَيُزَكَّيَنَّ، وَكَانَ مُحَارِبٌ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ثُمَّ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَزُولُ قَدَمَا شَاهِدِ الزُّورِ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى يُوجِبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ» وَلِلْحَدِيثِ طُرُقٌ إلَى مُحَارِبٍ.
[فَصْلٌ: الْحِكْمَةُ فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْكَذَّابِ]