كم آثرك بِالشَّهَوَاتِ عَلَى النَّفْسِ, وَلَوْ غِبْتَ سَاعَةً صَارَا فِي حَبْسٍ, حَيَاتُهُمَا عِنْدَكَ بَقَايَا شَمْسٍ, لَقَدْ رَاعَيَاكَ طَوِيلا فَارْعَهُمَا قَصِيرًا, {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} .
كَمْ لَيْلَةٍ سَهِرَا مَعَكَ إِلَى الْفَجْرِ, يُدَارِيَانِكَ مُدَارَاةَ الْعَاشِقِ فِي الْهَجْرِ, فَإِنْ مَرِضْتَ أَجْرَيَا دَمْعًا لَمْ يَجْرِ, تَاللَّهِ لَمْ يَرْضَيَا لِتَرْبِيَتِكَ غَيْرَ الْكَفِّ وَالْحِجْرِ سَرِيرًا {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} .
يُعَالِجَانِ أَنْجَاسَكَ وَيُحِبَّانِ بَقَاءَكَ, وَلَوْ لَقِيتَ مِنْهُمَا أَذَى شَكَوْتَ شَقَاءَكَ, مَا تَشْتَاقُ لَهُمَا إِذَا غابا ويشتقاقان لِقَاءَكَ, كَمْ جَرَّعَاكَ حُلْوًا وَجَرَّعْتَهُمَا مَرِيرًا {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} .
أتحسن الإساءة في مقابلة الإحسان, أو ما تَأْنَفُ الإِنْسَانِيَّةُ لِلإِنْسَانِ, كَيْفَ تُعَارِضُ حُسْنَ فَضْلِهِمَا بِقُبْحِ الْعِصْيَانِ, ثُمَّ تَرْفَعُ عَلَيْهِمَا صَوْتًا جَهِيرًا, {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} .
تُحِبُّ أَوْلادَكَ طَبْعًا, فَأَحْبِبْ وَالِدَيْكَ شَرْعًا, وَارْعَ أَصْلا أَثْمَرَ لَكَ فَرْعًا, وَاذْكُرْ لُطْفَهُمَا بِكَ وَطِيبَ الْمَرْعَى أَوَّلا وَأَخِيرًا {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} .
تَصَدَّقْ عَنْهُمَا إِنْ كَانَا مَيِّتَيْنِ, وَصَلِّ لَهُمَا وَاقْضِ عَنْهُمَا الدَّيْنِ, وَاسْتَغْفِرْ لَهُمَا وَاسْتَدِمْ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ, وَما تُكَلَّفُ إِلا أَمْرًا يَسِيرًا {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} . انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...