{وَاخْفِضْ} : الخفْض ضد الرّفْع.
{جَنَاحَ الذُّلِّ} : الطائر معروف أنه يرفع جناحه ويُرفْرِف به ، إنْ أراد أن يطير ، ويخفضه إنْ أراد أن يحنوَ على صغاره ، ويحتضنهم ويغذيهم.
وهذه صورة مُحسَّة لنا ، يدعونا الحق سبحانه وتعالى أن نقتدي بها ، وأن نعامل الوالدين هذه المعاملة ، فنحنو عليهم ، ونخفض لهم الجناح ، كنايةً عن الطاعة والحنان والتواضع لهما ، وإياك أن تكون كالطائر الذي يرفع جناحيه ليطير بهما مُتعالياً على غيره.
وكثيراً ما يُعطينا الشرع الحكيم أمثلة ونماذج للرأفة والرحمة في الطيور ، ويجعلها قدوة لنا بني البشر. والذي يرى الطائر يحتضن صغاره تحت جناحه ، ويزقّهم الغذاء يرى عجباً ، فالصغار لا يقدرون على مضغ الطعام وتكسيره ، وليس لديهم اللعاب الذي يساعدهم على أنْ يزدردوا الطعام فيقوم الوالدان بهذه المهمة ثم يناولانهم غذاءهم جاهزاً يسهل بَلْعه ، وإنْ تيسر لك رؤية هذا المنظر فسوف ترى الطائر وفراخه يتراصون فرحة وسعادة.
إذن: قوله تعالى: {جَنَاحَ الذُّلِّ..} [الإسراء: 24]
كناية عن الخضوع والتواضع ، والذُّل قد يأتي بمعنى القهر والغلبة ، وقد يأتي بمعنى العطف والرحمة ، يقول تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ..} [المائدة: 54]
فلو كان الذلّة هنا بمعنى القهر لقال: أذلة للمؤمنين ، ولكن المعنى: عطوفين على المؤمنين. وفي المقابل {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ..} [المائدة: 54]
أي: أقوياء عليهم قاهرين لهم.
وفي آية أخرى يقول تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ..} [الفتح: 29]