ثم بين سبحانه كمال رأفته وشمول رحمته فقال: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبّكَ} التنوين في"كلاً"عوض عن المضاف إليه ، والتقدير كل واحد من الفريقين نمدّ ، أي: نزيده من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع ، نرزق المؤمنين والكفار ، وأهل الطاعة وأهل المعصية ، لا تؤثر معصية العاصي في قطع رزقه ، وما به الإمداد هو ما عجله لمن يريد الدنيا ، وما أنعم به في الأولى والأخرى على من يريد الآخرة ، وفي قوله: {مِنْ عَطَاء رَبّكَ} إشارة إلى أن ذلك بمحض التفضل وهو متعلق ب {نمد} ، {وَمَا كَانَ عَطَاء رَبّكَ مَحْظُورًا} أي: ممنوعاً ، يقال: حظره يحظره حظراً: منعه ، وكل ما حال بينك وبين شيء ، فقد حظره عليك ، و {هؤلاء} بدل من"كلا"وهؤلاء معطوف على البدل.
قال الزجاج: أعلم الله سبحانه أنه يعطي المسلم الكافر وأنه يرزقهما جميعاً الفريقين فقال: {هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبّكَ} .
{انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون لكل من له أهلية النظر والاعتبار ، وهذه الجملة مقرّرة لما مرّ من الإمداد وموضحة له ، والمعنى: انظر كيف فضلنا في العطايا العاجلة بعض العباد على بعض ، فمن غني وفقير ، وقوي وضعيف ، وصحيح ومريض ، وعاقل وأحمق ، وذلك لحكمة بالغة تقصر العقول عن إدراكها.
{وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ درجات وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} وذلك لأن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا ، وليس للدنيا بالنسبة إلى الآخرة مقدار ، فلهذا كانت الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ، وقيل: المراد: أن المؤمنين يدخلون الجنة ، والكافرين يدخلون النار ، فتظهر فضيلة المؤمنين على الكافرين.
وحاصل المعنى أن التفاضل في الآخرة ودرجاتها فوق التفاضل في الدنيا ومراتب أهلها فيها من بسط وقبض ونحوهما.