ثم لما أجمل سبحانه أعمال البرّ في قوله: {وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أخذ في تفصيل ذلك مبتدئاً بأشرفها الذي هو التوحيد فقال: {لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها ءاخَرَ} والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته ، تهييجاً وإلهاباً ، أو لكل متأهل له صالح لتوجيهه إليه ، وقيل: هو على إضمار القول ، والتقدير: قل لكل مكلف: لا تجعل ، وانتصاب {تقعد} على جواب النهي ، والتقدير: لا يكون منك جعل فقعود ؛ ومعنى {تقعد} : تصير ، من قولهم: شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها خربة ، وليس المراد حقيقة القعود المقابل للقيام ؛ وقيل: هو كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات ، فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام ، والعجز عنه يلزمه أن يكون قاعداً عن الطلب ؛ وقيل: إن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً مفكراً على ما فرط منه ، فالقعود على هذا حقيقة ، وانتصاب {مَذْمُومًا مَّخْذُولاً} على خبرية تقعد أو على الحال: أي فتصير جامعاً بين الأمرين: الذم لك من الله ومن ملائكته ، ومن صالحي عباده ، والخذلان لك منه سبحانه ، أو حال كونك جامعاً بين الأمرين.
ثم لما ذكر ما هو الركن الأعظم وهو التوحيد ، أتبعه سائر الشعائر والشرائع فقال: {وقضى رَبُّكَ} أي: أمر أمراً جزماً ، وحكماً قطعاً ، وحتماً مبرماً {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ} أي: بأن لا تعبدوا ، فتكون"أن"ناصبة ، ويجوز أن تكون مفسرة ، و"لا"نهي.
وقرئ (ووصى ربك) أي: وصى عباده بعبادته وحده ، ثم أردفه بالأمر ببرّ الوالدين فقال: {وبالوالدين إحسانا} أي: وقضى بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا ، أو وأحسنوا بهما إحساناً ، ولا يجوز أن يتعلق {بالوالدين ب إحسانا} ، لأن المصدر لا يتقدّم عليه ما هو متعلق به.