وقال مجاهد: إن معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخ الغائط والبول اللذين رأيا منك في حال الصغر فلا تقذِّرهما وتقول {أف} انتهى.
والآية أعم من ذلك.
ولما نهاه تعالى أن يقول لهما ما مدلوله أتضجر منكما ارتقى إلى النهي عما هو من حيث الوضع أشد من {أف} وهو نهرهما ، وإن كان النهي عن نهرهما يدل عليه النهي عن قول {أف} لأنه إذا نهى عن الأدنى كان ذلك نهياً عن الأعلى بجهة الأولى ، والمعنى ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك {وقل لهما} بدل قول أف ونهرهما {قولاً كريماً} أي جامعاً للمحاسن من البر وجودة اللفظ.
قال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيد اللفظ.
وقيل: {قولاً كريماً} أي جميلاً كما يقتضيه حسن الأدب.
وقال عمر: أن تقول يا أبتاه يا أمّاه انتهى.
كما خاطب إبراهيم لأبيه يا أبت مع كفره ، ولا تدعوهما بأسمائهما لأنه من الجفاء وسوء الأدب ولا بأس به في غير وجهه كما قالت عائشة نحلني أبو بكر كذا.
ولما نهاه تعالى عن القول المؤذي وكان لا يستلزم ذلك الأمر بالقول الطيب أمره تعالى بأن يقول لهما القول الطيب السار الحسن ، وأن يكون قوله دالاً على التعظيم لهما والتبجيل.
وقال عطاء: تتكلم معهما بشرط أن لا ترفع إليهما بصرك ولا تشد إليهما نظرك لأن ذلك ينافي القول الكريم.
وقال الزجاج قولاً سهلاً سلساً لا شراسة فيه ، ثم أمره تعالى بالمبالغة في التواضع معهما بقوله: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} .
وقال القفال في تقريره وجهان.
أحدهما: أن الطائر إذا ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه ، فخفض الجناح كناية عن حسن التدبير وكأنه قيل للولد اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك حال صغرك.
الثاني: أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه ، وإذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه.