وأجاب الجبائي بأن قال: ليس المراد من الآية أنه تعالى يريد إهلاكهم قبل أن يعصوا ويستحقوا ، وذلك لأنه ظلم وهو على الله محال ، بل المراد من الإرادة قرب تلك الحالة فكان التقدير وإذا قرب وقت إهلاك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها وهو كقول القائل: إذا أراد المريض أن يموت ازدادت أمراضه شدة ، وإذا أراد التاجر أن يفتقر أتاه الخسران من كل جهة ، وليس المراد أن المريض يريد أن يموت ، والتاجر يريد أن يفتقر وإنما يعنون أنه سيصير كذلك فكذا ههنا.
واعلم أن جميع الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في التمسك بهذه الآية ، لا شك أن كلها عدول عن ظاهر اللفظ ، أما الوجه الثاني والثالث فقد بقي سليماً عن الطعن ، والله أعلم.
المسألة الثالثة:
المشهور عند القراء السبعة: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} بالتخفيف غير ممدودة الألف ، وروي برواية غير مشهورة عن نافع وابن عباس: {آمْرُنَا} بالمد ، وعن أبي عمرو {أَمْرُنَا} بالتشديد فالمد على الكثير يقال: أمر القوم بكسر الميم إذا كثروا وآمرهم الله بالمد ، أي كثرهم الله.
والتشديد على التسليط ، أي سلطنا مترفيها ، ومعناه التخلية وزوال المنع بالقهر ، والله أعلم.
أما قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القرون مِن بَعْدِ نُوحٍ} فاعلم أن المراد أن الطريق الذي ذكرناه هو عادتنا مع الذين يفسقون ويتمردون فيما تقدم من القرون الذين كانوا بعد نوح.
وهم عاد وثمود وغيرهم ، ثم إنه تعالى خاطب رسوله بما يكون خطاباً لغيره وردعاً وزجراً للكل فقال: {وكفى بِرَبّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا} وفيه بحثان:
البحث الأول: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات راء لجميع المرئيات فلا يخفى عليه شيء من أحوال الخلق ، وثبت أنه قادر على كل الممكنات فكان قادراً على إيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه.
وأيضاً أنه منزه عن العبث والظلم.