فأعلم اللّه تعالى رسوله بالقصد من بقائه وقصه عليه في هذه الآية ، وختمها بالشهادة على كذبهم ، فقال جل قوله"وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ" (107) فيما ذكروه لك وحانثون في حلفهم ، وإن القصد من بنانه إضرار المؤمنين وتفريق كلمتهم وكفر باللّه ورسوله وانتظار حضور الرّاهب المذكور الذي حينما قدم على المدينة ، قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ما هذا الدّين الذي جئت به ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلم جئت بالحنيفية السّمحة دين إبراهيم عليه السّلام ، فقال الرّاهب أبو عامر أنا عليها ، فقال له صلّى اللّه عليه وسلم لست عليها ، قال أبو عامر بلى ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم ما فعلت ولكن جئت بها بيضاء نقية ، قال أبو عامر أمات اللّه الكاذب منا طريدا وحيدا غريبا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم آمين ، فسماه النّاس أبا عامر الفاسق ، لخروجه على حضرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم ومقابلته له بكلام خارج عن نطاق الأدب والأخلاق وعار عن الصّحة.
هذا ولما كان يوم أحد قال أبو عامر الفاسق للنبي صلّى اللّه عليه وسلم لا أجد قوما يقاتلونك إلّا قاتلنك معهم ، فلم يزل كذلك إلى يوم حنين ، فلما انهزمت هوازن يئس أبو عامر الفاسق وهرب إلى الشّام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح وابنوا لي مسجدا ، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الرّوم فآتي بجد ، فأخرج محمدا وأصحابه ، فصدقوا كلامه لخبث نيتهم وقح طريتهم وهم الاثنا عشر رجلا المار ذكرهم في الآية 65 ، فبنوه لذلك القصد وتلك الغاية ، ففضحهم اللّه تعالى وقال صلّى اللّه عليه وسلم إلى مالك بن الدّغشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي: اهدموا هذا المسجد الظّالم أهله ، فهدموه عليهم وأحرقوه واتخذ لرمي القاذورات والكناسة ، ومات الخبيث بالشام طريدا وحيدا غريبا.