أما إن جاء شيء من هذا عن بعض التابعين ، فهو مما يُتوقف فيه ولا يُحكم عليه بصدق ولا يكذب ، وذلك لقوة احتمال السماع من أهل الكتاب ، لما عُرفوا به من كثرة الأخذ عنهم ، وبُعد احتمال كونه مما سُمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا إذا لم يتفق أهل الرواية من علماء التفسير على ذلك ، أما إن اتفقوا عليه. فإنه يكون أبعد من أن يكون مسموعاً من أهل الكتاب ، وحينئذ تسكن النفس إلى قبوله والأخذ به. والله أعلم.
* موقف المفسِّر إزاء هذه الإسرائيليات:
علمنا أن كثرة النقل عن أهل الكتاب بدون تفرقة بين الصحيح والعليل دسيسة دخلت فِي ديننا واستفحل خطرها ، كما علمنا أن قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تُصَدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكَذِّبوهم"فاعدة مقرَّرة لا يصح العدول عنها بأى حال من الأحوال ، وبعد هذا وذاك نقول: إنه يجب على المفسِّر أن يكون يقظاً إلى أبعد حدود اليقظة ، ناقداً إلى نهاية ما يصل إليه النقاد من قدة وروية حتى يستطيع أن يستخلص من هذا الهشيم المركوم من الإسرائيليات ما يناسب روح القرآن ، ويتفق مع العقل والنقل ، كما يجب عليه أن لا يرتكب النقل عن أهل الكتاب إذا كان فِي سُّنَّة نبينا صلى الله عليه وسلم بيان لمجمل القرآن ، فمثلاً حيث وجد لقوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} مجمل فِي السُّنَّة النبوية الصحيحة وهو قصة ترك"إن شاء الله"والمؤاخذة عليه فلا يرتكب قصة صخر المارد.
كذلك يجب على المفسِّر أن يلحظ أن الضرورى يتقدَّر بقدر الحاجة ، فلا يذكر فِي تفسيره شيئاً من ذلك إلا بقدر ما يقتضيه بيان الإجمال ، ليحصل التصديق بشهادة القرآن فيكف اللسان عن الزيادة.