القسم الثاني: ما يُعلم كذبه بأن يناقض ما عرفناه من شرعنا ، أو كان لا يتفق مع العقل ، وهذا القسم لا يصح قبوله ولا روايته. القسم الثالث: ما هو مسكوت عنه ، لا هو من قبيل الأول ، ولا هو من قبيل الثاني ، وهذا القسم نتوقف فيه ، فلا نؤمن به ولا نُكذِّبه ، وتجوز حكايته ، لما تقدَّم من قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تُصَدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكَذِّبوهم"، وقولوا آمنا بالله وما أُنِزلَ إلينا..."الآية."
وهذا القسم غالبه مما ليس فيه فائدة تعود إلى أمر دينى ، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب فِي مثل هذا اختلافاً كثيراً ، ويأتى عن المفسِّرين خلاف بسبب ذلك ، كما يذكرون فِي مثل هذا أسماء أصحاب الكهف ، ولون كلبهم ، وعصا موسى من أي الشجر كانت ، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم ، وتعيين بعض البقرة الذي ضُرِب به قتيل بني إسرائيل ، ونوع الشجرة التي كلِّم الله منها موسى.. إلى غير ذلك مما أبهمه الله فِي القرآن ولا فائدة فِي تعيينه تعود على المكلَّفين فِي ديناهم أو دينهم.
ثم إذا جاء شى من هذا القبيل - أعنى ما سكت عنه الشرع ولم يكن فيه ما يؤيده أو يفنده - عن أحد من الصحابة بطريق صحيح ، فإن كان قد جزم به فهو كالقسم الأول ، يُقبل ولا يُرد ، لأنه لا يعقل أن يكون قد أخذه عن أهل الكتاب بعد ما علم من نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تصديقهم. وإن كان لم يجزم به فالنفس أسكن إلى قبوله ، لأن احتمال أن يكون الصحابى قد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، أو ممن سمعه منه ، أقوى من احتمال السماع من أهل الكتاب ، ولا سيما بعد ما تقرر من أن أخذ الصحابة عن أهل الكتاب كان قليلاً بالنسبة لغيرهم من التابعين ومَن يليهم.