ولك أن تنصب {الَّذِينَ} بإضمار فعل، أو تجعله بدلًا من {الَّذِينَ} في قوله: {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} ، فيكون قوله: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} في موضع الحال من الضمير في {كَذَّبُوا} أي: مشبهين حال من لم يكن قط في تلك الدار إذ حلّ بهم ما حل بهم، وهذا مما يُتحسر عليه، كما قال:
231 -كَأَنْ لم يكن بين الحَجُونِ إلى الصَّفا ... أنيسٌ ولم يَسمُرْ بمكةَ سامِرُ
والحَجُون بفتح الحاء: جبل بمكة، وهي مقبرة.
{فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} :
قوله - عز وجل: {فَكَيْفَ آسَى} أي: أحزن، يقال: أَسِيت لفلان آسَى بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر أسًى، إذا حزنت له.
وقرئ: (فكيف إِيْسى) بكسر الهمزة وياء بعدها، قيل: وهذه لغة تميم يقولون: أنا إضربُ.
{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ} :
قوله - عز وجل: حَتَّى عَفَوْا أي: إلى أن عفوا، أي: كثروا، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره، ونموا في أنفسهم وأموالهم، من قولهم: عفا النبات، وعفا الشحم والوبر، إذا كثرت، وعفا: من الأضداد، يقال: عفت الريح المنزل، إذا درسته، وعفا المنزل، إذا درس.
وقوله: {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} عطفٌ على قوله: {حَتَّى عَفَوْا} ، و {بَغْتَةً} مصدر في موضع الحال من الهاء والميم، بمعنى: أخذناهم آمنين مغترين بما هم فيه.