{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} :
قوله - عز وجل: {وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ} أي: مكنكم فيها، يقال: بوأته منزلًا، وبوأت له منزلًا، إذا هيأته ومكنت له فيه.
وقوله: {تَتَّخِذُونَ} محله النصب على الحال من الكاف والميم في {وَبَوَّأَكُمْ} . و {تَتَّخِذُونَ} هنا يحتمل أن يتعدى إلى مفعولين وهما {مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا} ، وأن يتعدى إلى مفعول واحد بمعنى تبنون، فيكون {مِنْ سُهُولِهَا} حالًا من قصور لتقدمه عليها، أي: تبنون قصورًا كائنة من سهولة الأرض، وهي ما يعملون منها من اللبِنِ والآجُرِّ وغيرهما على ما فسر.
وقوله: {وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} الجمهور على كسر الحاء في قوله: {وَتَنْحِتُونَ} . وقرئ بفتحها لأجل حرف الحلق، وهما لغتان، غير أن الكسر أشهر.
وقرئ أيضًا: (وتنحاتون) بإشباع الفتحة، والإِشباع بابه النظم.
و {بُيُوتًا} : يحتمل أن يكون مفعولًا به ثانيًا على تضمين {تَنْحِتُونَ} معنى تتخذون، وأن يكون حالًا من {الْجِبَالَ} على حد: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا؛ لأنَّ الجبال لا تكون بيوتًا في حال النحت، ونظيره من الكلام: خِطْ هذا الثوبَ قميصًا؛ لأنَّ الثوب لا يكون قميصًا في حال الخياطة.
وجاز أن يكون {بُيُوتًا} حالًا؛ لأنها في معنى معمورة، أو مبنية، ولك أن تجعله مفعولًا به، و {تَنْحِتُونَ} على بابه مقدرًا الجار في الجبال، بشهادة ما جاء في"الحِجْرِ": {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} .
وقوله: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} الجمهور على فتح تاء {وَلَا تَعْثَوْا} على أنَّه من عثا يعثو، إذا أفسد، وقرئ: (ولا تِعثوا) بكسرها على أنه من عَثِي يعثَى بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر تنبيهًا على عين الفعل، وهو لغة لبعض العرب، وقد ذكر في"الفاتحة"، و {مُفْسِدِينَ} : حال.