يحتمل هذا في الأحوال، ويحتمل في الخلقة جعل لبعض فضائل ودرجات على بعض، وجعل بعضا فوق بعض بدرجات في الدنيا؛ ليكتسبوا لأنفسهم في الآخرة الدرجات والفضائل، على ما رغبوا في الدنيا في فضائل الخلقة ودرجات بعضها فوق بعض، ونفروا في الدون من ذلك؛ ليرغبهم ذلك في اكتساب الدرجات في الآخرة، وينفوهم عن اكتساب ما ينفرون عنه في الدنيا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) .
يحتمل: ليبلوكم فيما آتاكم من الأحوال المختلفة: من الفقر والغناء، والسقم والصحة، والصغر والكبر، وغير ذلك من الأحوال.
ويحتمل: (فِي مَا آتَاكُمْ) من النعم، أي: ليبلوكم بالشكر على ما آتاكم من النعم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ هو إخبار عن سرعة إتيان العذاب؛ لأن كل آتٍ قريب كأنه قد جاء، كقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) ، (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) ، (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) ، ونحوه: أنه إذا كان آتيًا لا محالة جعل كأنه قد جاء.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذلك إنباء عن شدة عذابه لمن عصاه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) .
قيل: يبتلي الموسر في حال الغناء، والصحيح في حال صحته، ويبتلي الفقير في حال فقره، والمريض في حال مرضه، والابتلاء من اللَّه - تعالى - على وجهين: إما أمرًا بالشكر على ما أنعم.
أو صبرًا على ما ابتلاه بالشدائد، والابتلاء منه هو ما بين السبيلين جميعًا سبيل الحق وسبيل الباطل، وبين أن كل سبيل إلى ماذا أفضاه لو سلكه: لو سلك سبيل الحق أفضاه إلى النعم الباقية والسرور الدائم، وإن سلك سبيل الباطل أفضاه إلى عذاب شديد وحزن دائم.
ثم خيره بين هذين؛ فهو معنى الابتلاء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) .
للمؤمنين، وقد ذكرناه والحمد لله رب العالمين. انتهى انتهى {تفسير الماتريدي. 4/ 325 - 344} ...