والثاني- سببه اختيار الإنسان: وهو أن يختار الإنسان طريق الانحراف، فيمده الله في ضلاله، ويمكّنه من البقاء في طغيانه، ويخلق له القدرة على الاستمرار في كفره وفساده، لذا نسب الله الإضلال للكافر والفاسق، دون المؤمن، بل نفى عن نفسه إضلال المؤمن، فقال: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ [التوبة 9/ 115] ، فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ [محمد 47/ 4 - 5] ، وقال في الكافر والفاسق: فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ [محمد 47/ 8] ، وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [البقرة 2/ 26] ، كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ [غافر 40/ 74] ، وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم 14/ 27] ، وعلى هذا النحو
تقليب الأفئدة في قوله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ [الأنعام 6/ 110] ، والختم على القلب في قوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [البقرة 2/ 7] ، وزيادة المرض في قوله: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [البقرة 2/ 10] ، فمن اختار الضلالة، أبقاه الله فيها، ومنع عنه نفوذ الهداية إلى قلبه، عقابا له من الله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
لا يوجد في القرآن آية بدون معنى أو فائدة أو حكمة أو تشريع، فهو كلام الله المعجز دستور الحياة البشرية، وبناء عليه، يقصد بالآيات القرآنية تحقيق فائدة الإنسان في حياته الدينية والدنيوية والأخروية، وتربطه بالحياة.
وتكون بالتالي الأحكام المستفادة من معاني الآيات مرتبطة ارتباطا وثيقا إما بالعقيدة أو بالعبادة أو بالأخلاق والسلوك أو بالتشريع الصالح للفرد والجماعة، وهذا المعنى الأعمّ هو الذي عنيته بفقه الحياة في القرآن الكريم.
والمعاني أو الأحكام المستفادة من الفاتحة تشمل صلة الإنسان بالله، وتحدد طريق مناجاته، وترسم له نوع مسيرته في الحياة، وتلزمه باتّباع المنهج الأقوم والطريق الأعدل، الذي لا انحراف فيه قيد أنملة عن جادّة الاستقامة، ولا قبول بأي لون من ألوان الضلال والغيّ والانحراف. ومعنى البسملة في الفاتحة: أنّ جميع ما يقرر في القرآن من الأحكام وغيرها هو لله ومنه، ليس لأحد غير الله فيه شيء.