حيث قابل بين رفع والإسلام وسلمان الفارسي من جهة، وبين حط والشرك وأبي لهب من جهة ثانية، فجاءت مقابلته جميلة رائعة.
وهكذا نلحظ - من خلال ما سبق ذكره - أن دائرة المقابلة تتسع لتشمل ما كان من تقابل بين المعاني الحقيقية وما كان في معناها، كما تتسع دائرته لتشمل كذلك ما توافق عدده وما اختلف.
وبعد هذا التطواف حول هذا اللون من ألوان البديع لنا أن نتساءل عن الفرق بين المقابلة وبين كل من مراعاة النظير والطباق؟ وهل يشترط التناسب بين المعاني المتقابلة؟ وما هو الأثر الذي يحدثه هذا الصبغ البديعي في بلاغة الكلام؟
{وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) }
فقد فُصلت الجملتان {سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} عما قبلهما لشبه كمال الاتصال؛ حيث وقعت كلٌّ منهما جوابا لسؤال اقتضته الجمل قبلها، وكأن سائلًا سأل: لم هذه الافتراءات؟ ولم تلك الأوصاف الجائرة؟ هل يُجزون عن ذلك؟ فجاءت الإجابة: {سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} .