فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 140286 من 466147

وحين يقوم هذا المجتمع فعلا , تكون له حياة واقعية , تحتاج إلى تنظيم وإلى تشريع . . وعندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وفي سن الشرائع . . لقوم مستسلمين أصلا للنظم والشرائع , رافضين ابتداء لغيرها من النظم والشرائع . .

ولا بد أن يكون للمؤمنين بهذه العقيدة من السلطان على أنفسهم وعلى مجتمعهم ما يكفل تنفيذ النظام والشرائع في هذا المجتمع ; حتى تكون للنظام هيبته ويكون للشريعة جديتها . . فوق ما يكون لحياة هذا المجتمع من الواقعية ما يقتضي الأنظمة والشرائع من فورها .

والمسلمون في مكة لم يكن لهم سلطان على أنفسهم ولا على مجتمعهم . وما كانت لهم حياة واقعية مستقلة هم الذين ينظمونها بشريعة الله . . ومن ثم لم ينزل الله في هذه الفترة تنظيمات وشرائع ; وإنما نزل لهم عقيدة , وخلقا منبثقا من العقيدة بعد اسقرارها في الأعماق البعيدة . . فلما صارت لهم دولة في المدينة ذات سلطان تنزلت عليهم الشرائع ; وتقرر لهم النظام ; الذي يواجه حاجات المجتمع المسلم الواقعية ; والذي تكفل له الدولة بسلطانها الجدية والنفاذ . .

ولم يشأ الله أن ينزل عليهم النظام والشرائع في مكة , ليختزنوها جاهزة , حتى تطبق بمجرد قيام الدولة في المدينة ! إن هذه ليست طبيعة هذا الدين ! إنه أشد واقعية من هذا وأكثر جدية ! إنه لا يفترض المشكلات ليفترض لها حلولا . . إنما هو يواجه الواقع بحجمه وشكله وملابساته لصوغه في قالبه الخاص , وفق حجمه وشكله وملابساته . .

والذين يريدون من الإسلام اليوم أن يصوغ قوالب نظام , وأن يصوغ تشريعات حياة . . بينما ليس على وجه الأرض مجتمع قد قرر فعلا تحكيم شريعة الله وحدها , ورفض كل شريعة سواها , مع تملكه للسلطة التي تفرض هذا وتنفذه . . الذين يريدون من الإسلام ذلك لا يدركون طبيعة هذا الدين , ولا كيف يعمل في الحياة ; كما يريد له الله . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت