ثم أخبر عن لغو أيمان أهل الأيمان بقوله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: 88] ، إشارة أن لا يؤاخذكم أهل الفقه باللغو في أيمانكم عند استيلاء النفس وغلبات صفاتها وسلطان الهوى في أثناء المجاهدة وشدة المكابدة وإعواز المشاهدة أن تخلقوا بالآيات على التبرم من ولاية النفس وكلالة التقوى، ثم إذا كشطت عن سموات قلوبكم غمام القبض تعدون الولاء عين الفرض {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] ، على الهجران وقصدتم الصدود بالخذلان فأبديتم الشاقة وأخفيتم الكرامة وتعرضتم للملامة {فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: 89] ؛ أي: فكفارة ما عقدتم وقصدتم إليه {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89] ، وهم الخواص الخمس الظاهرة والباطنة فإنها مدخل الآفات وموئل الفترات {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89] ، وهم القلب والسير والروح والغنى، والشهود والكشوف بواسطة الذكر والتذكير، وتفكروا والتفكر والتشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء، فإطعام الحواس الظاهرة والقوى الباطنة هذه الأطعمة باستعمالها في التعبد بها والتحفظ عما ينافيها {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} [المائدة: 89] ، وهو ألباس الحواس والقوى بلباس التقوى {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] ، النفس عن عبودية الهوى والحرص على الدنيا: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} [المائدة: 89] ، السبيل إلى هذه الأشياء {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89] ، وذلك لأن الأيام لا تخلو عن ثلاث إما يوم قد مضى، أو يوم قد حضر، أو يوم قد بقي، فصيام اليوم الذي قد مضى بالإمساك عما عقد عليه أو قصد إليه أو بالصبر عن الجد والاجتهاد، وبذل الجهد في طلب المراد وصيام اليوم الذي قد بقي بالإمساك عن فسخ العزيمة في ترك الجريمة، وفسخ الإخلاص في طلب