والمعنى: أن ذلك القول إن كان قد صدر مني .. فقد علمته؛ إذ علمك واسع محيط بكل شيء ، فأنت تعلم ما أسره وأخفيه في نفسي، فكيف لا تعلم ما أظهرته ودعوت إليه وعلمه مني غيري، كما أني لا أعلم ما تخفيه من علومك الذاتية التي لم ترشدني إليها بالكسب والاستدلال، لكني أعلم ما تظهره لي بالوحي بواسطة ملائكتك المقربين إليك {إِنَّكَ} يا إلهي {أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} ؛ أي: إنك أنت العالم بالخفايا عن العباد؛ لأنك أنت المحيط بالعلوم الغيبية وحدك، ما كان منها وما سيكون وما هو كائن، وعلم غيرك مستمد من فيضك لا من ذاته، فهو إما أن يناله بواسطة المشاعر والحواس أو العقل، وإما أن يتلقاه هبة منك بالوحي والإلهام. فقوله: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ} يدل بمنطوقه على أنه تعالى يعلم الغيب، فيكون مقررًا لقوله: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} ، ويدل بمفهومه على أنه لا يعلم الغيب غيره، فيكون مقررًا لقوله: {وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} ودل بتصدير الجملة بـ {إنّ} ، وتوسط ضمير الفصل، وبناء المبالغة، والجمع المعرف باللام أن شيئًا لا يعزب عن علمه ألبتة كما هو مقرر في محله.
117 -وبعد تنزيه ربه وتبرئة نفسه وإقامة البراهين على ذلك .. بيَّن حقيقة ما قاله لقومه؛ إذ الشهادة عليهم لا تكون تامة كاملة إلا بإثبات ما يجب أن يكونوا عليه من أمر التوحيد بعد نفي ضده، فقال: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} ؛ أي: ما قلت لهم إلا قولًا أمرتني به. وقوله: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} عطف بيان للضمير في {بِهِ} ، أو بدل منه، وليس من شرط البدل جواز طرح المبدل مطلقًا، فيلزم منه بقاء الموصول بلا عائد، أو خبر محذوف، أو مفعوله، مثل: هو، أو أعني، وقيل: {أن} مفسرة للهاء الراجع للقول المأمور به، والمعنى: ما قلت لهم في الدنيا إلا قولًا أمرتني به، وذلك القول هو أن أقول لهم: اعبدوا الله ربي وربكم؛ أي: وحدوه ولا تشركوا به شيئًا.
والخلاصة: أني ما قلت لهم في شأن الإيمان وأساس الدين إلا ما أمرتني بالتزامه اعتقادًا وتبليغًا لهم بأنك ربي وربهم، وأنني عبد من عبادك مثلهم إلا أنك خصصتني بالرسالة إليهم.