(أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ) .
وقد تقدم فِي هذه السورة ما يثبت براءة عيسى عليه السلام من مثل هذه المقالة ، وذلك قوله: « لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ، وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ » .
وجاء فِي إنجيل يوحنا (و هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ، ويسوع المسيح الذي أرسلته) .
ثم فوّض عليه السلام أمر الجزاء إليه تعالى فقال:
(إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن نغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) أي إن تعذب من أرسلتنى إليهم فبلّغتهم ما أمرتنى به من توحيدك وعبادتك فضلّ منهم من ضل وقالوا مالم أقله ، واهتدى منهم من اهتدى فلم يعبدوا معك سواك ، فإنهم عبادك وأنت الرحيم بهم ، ولست أنا ولا غيرى من الخلق بأرحم بهم منك ، وإنما تجزيهم بحسب علمك بما يظهرون وما يبطنون ، فأنت العليم بالمؤمن المخلص فِي إيمانه ، وبمن أشرك بك غيرك أو بمن أطاعك وبمن عصاك وأنت عالم الغيب والشهادة تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون.
وإن تغفر فإنما تغفر لمن يستحق المغفرة ، وإنك أنت العزيز الغالب على أمره ، الحكيم فِي تصرفه وصنعه ، فيضع كل جزاء وكل فعل فِي موضعه.
وخلاصة المعنى - إنك إن تعذب فإنما تعذب من يستحق التعذيب ، وإن تغفر فإنما تغفر لمن هو أهل لذلك ، ومهما توقعه فيهم من عذاب فلا دافع له من دونك ، ومهما تمنحهم من مغفرة فلا يستطيع أحد حرمانهم منها بحوله وقوته ، لأنك أنت العزيز الذي يغلب ولا يغلب ، ويمنع من شاء ما شاء ولا يمنع ، وأنت الحكيم الذي تضع كل شيء موضعه ، فلا يمكن أحدا غيرك أن يرجعك عنه.