(إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ، تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ)
أي إن ذلك القول إن كان قد صدر منى فقد علمته ، إذ علمك واسع محيط بكل شيء ، فأنت تعلم ما أسره وأخفيه فِي نفسي فكيف لا تعلم ما أظهرته ودعوت إليه وعلمه منى غيرى ؟
كما أنى لا أعلم ما تخفيه من علومك الذاتية التي لا ترشدنى إليها بالكسب والاستدلال ، لكنى أعلم ما تظهره لي بالوحي بواسطة ملائكتك المقربين إليك.
(إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) أي لأنك أنت المحيط بالعلوم الغيبية وحدك ، ما كان منها وما سيكون وما هو كائن ، وعلم غيرك مستمد من فيضك لا من ذاته ، فهو إما أن يناله بواسطة المشاعر والحواس أو العقل ، وإما أن يتلقاه هبة منك بالوحي والإلهام.
وبعد تنزيه ربه وتبرئة نفسه وإقامة البراهين على ذلك - بين حقيقة ما قاله لقومه ، إذ الشهادة عليهم لا تكون تامة كاملة إلا بإثبات ما يجب أن يكونوا عليه من أمر التوحيد بعد نفى ضده ، فقال:
(ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ - أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) أي إنى ما قلت لهم فِي شأن الإيمان وأساس الدين إلا ما أمرتنى بالتزامه اعتقادا وتبليغا لهم ، بأنك ربى وربهم وأننى عبد من عبادك مثلهم إلا أنك خصصتنى بالرسالة إليهم.
(وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ) أي وكنت قائما عليهم أراقبهم وأشهد على ما يقولون وما يفعلون ، فأقر الحق وأنكر الباطل مدة وجودى بينهم.
(فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ شَهِيدٌ) أي فلما قبضتنى إليك كنت أنت الحفيظ عليهم دونى ، لأنى إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم ، وأنت تشهد على كل شيء إذ لا يخفى عليك شىء.
وفى هذا إيماء إلى أن اللّه إنما عرّفه أفعال القوم ومقالتهم بعد ما قبضه إليه بقوله: