الْكَلَامُ وَمَقْصُودُهُ مِنْهُ تَفْوِيضُ الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى اللهِ وَتَرْكُ التَّعَرُّضِ وَالِاعْتِرَاضِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلِذَا خَتَمَ الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ: (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) يَعْنِي أَنْتَ قَادِرٌ عَلَى مَا تُرِيدُ ، حَكِيمٌ فِي كُلِّ مَا تَفْعَلُ ، لَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَيْكَ ، فَمَنْ أَنَا وَالْخَوْضُ فِي أَحْوَالِ الرُّبُوبِيَّةِ . وَقَوْلُهُ:"إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ"فَنَقُولُ: إِنَّ غُفْرَانَهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ ، قَالُوا: لِأَنَّ الْعِقَابَ حَقُّ اللهِ عَلَى الْمُذْنِبِ وَفِي إِسْقَاطِهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُذْنِبِ ، وَلَيْسَ فِي إِسْقَاطِهِ عَلَى اللهِ مَضَرَّةٌ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا . بَلْ دَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ فِي شَرْعِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ ، فَلَعَلَّ هَذَا الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي شَرْعِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ انْتَهَى بِحُرُوفِهِ .
وَهَذَا الْوَجْهُ مُخَالِفٌ لِلْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَصِحَاحِ الْأَحَادِيثِ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ لَا حَاجَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى تَفْصِيلِهَا وَتَرْجِيحِ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْأَثَرِ بِهَا عَلَى مَذْهَبِ الْأَشَاعِرَةِ فِي مَوْضُوعِ إِثْبَاتِ الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا عَلَيْهِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ ضِدِّهِمَا ، وَلَا إِلَى بَيَانِ كَوْنِ الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ لَا يُعْقَلُ أَنْ يَتَحَقَّقَا فِيمَنْ لَا فَرْقَ فِي أَفْعَالِهِ بَيْنَ الْأَضْدَادِ ، بِحَيْثُ يَكُونُ الضِّدَّانِ عِنْدَهُ فِي الْحُسْنِ وَالْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ سَوَاءً .