فَهَذَا بَيَانُ مَا يَقْتَضِيهِ التَّفْوِيضُ الْمُطْلَقُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ ، بَلْ أَقُولُ: إِنَّ فِي جَزَاءِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ تَعْذِيبَ مَنْ يَظُنُّ الْمَخْلُوقُونَ أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ الْمَغْفِرَةَ إِنْ وَقَعَ مِنَ اللهِ فَلَا يَكُونُ إِلَّا عَدْلًا; لِأَنَّهُمْ عِبَادُ اللهِ الْمُضَافُونَ إِلَيْهِ ، وَمِنْ شَأْنِ هَذِهِ الْإِضَافَةِ أَنْ تُفِيدَهُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَرَحْمَةً ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) (43: 68) (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (39: 53) وَأَمْثَالُهُمَا مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي أُضِيفَ فِيهَا لَفْظُ عِبَادٍ إِلَى اللهِ ، فَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ الَّذِي خَفِيَ عَنِ الْمَخْلُوقِينَ عَظِيمًا ، فَالْأَدَبُ التَّفْوِيضُ وَفِي جَزَاءِ الشَّرْطِ الثَّانِي إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَغْفِرَةَ إِنْ أَصَابَتْ مَنْ يَظُنُّ الْمَخْلُوقُونَ إِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ فَلَا تَكُونُ مِنَ اللهِ تَعَالَى إِلَّا لِغَايَةٍ اقْتَضَتْهَا عِزَّةُ الْأُلُوهِيَّةِ ، وَحِكْمَةُ الرُّبُوبِيَّةِ فَلَا عِبْرَةَ بِالظَّوَاهِرِ الَّتِي تَبْدُو لِلْمَخْلُوقِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ وَحِكْمَتِهِ وَلَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُفَوَّضَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ كُلُّهُ ، يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ، وَبِهَذَا تَنْجَلِي نُكْتَةُ اخْتِيَارِ (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) هُنَا عَلَى (الْغَفُورِ الرَّحِيمِ) عَلَى