إن «اللّه» المسيح، قد كشف فِي هذه الأحوال عن إله لا حول له ولا قوة، يصارع الخطيئة التي غرسها بيده فِي كيان الإنسان .. (و نعم غرسها بيده، إذ كان الشيطان هو الذي ساقه إليها، أو ساقها إليه، والشيطان من صنعة يد اللّه، بلا شك) ثم يحتال اللّه لذلك، فلا تسعفه الحيل إلا بأن يتخلّق فِي رحم امرأة، ويولد منها، ويرضع من ثديها، حتى يشبّ ويكون رجلا، فيتخذ له تلاميذ وأتباعا، يدعوهم إلى ما يدعوهم إليه .. ثم ينتهى أمره إلى الموت صلبا، ليكون بهذا الموت ذبيحة، لغفران الخطيئة التي أخطأها آدم فِي عصيانه أمر اللّه!.
أرأيت أعجب من هذا العجب! إنسان يخطئ فِي حق اللّه، ويخرج عن طاعته ..
فلا يعاقبه اللّه، ولا يأخذه بجريرته! ولو وقف الأمر عند هذا الحد، لكان مفهوما مقبولا .. إنسان أخطأ، ورب غفور رحيم! ولكن الذي لا يفهم، ولا يقبل، هو أن يجيء اللّه، لكى يغفر جريمة هذا الإنسان، فيربّى نفسه فِي حجر الإنسانية، ثم إذا أصبح «حملا» صالحا للذبح، ذبح نفسه، ليكون كفارة لهذا الذنب الذي ارتكبه فِي حقه عبد من عبيده! وندع هذا الحساب المغلوط، شكلا وموضوعا .. لمن يقيم خلله، إن كان فِي الناس من يحسن البناء على خواء، ويقيم صرحا فِي الهواء.
ونسأل: أين «المسيح» الإنسان؟
أين ذلك الوجه المشرق الوضيء الذي طالع فيه الناس سمات الإنسانية، فِي نبلها، وطهرها، وعفتها، ورحمتها، وحكمتها؟ أين ذلك الإنسان الذي عاش فِي الناس فآنس وحشتهم، وفتح لهم طرقا مستقيمة إلى معالم الخير، والنور، والسلام؟
إنه لا وجود له فِي عالم الناس .. !
إنه لم يكن إلا «اللّه» .. ولم تكن تلك الفترة التي رآه الناس فيها فِي صورة إنسان - إلا حلما من تلك الأحلام المسعدة، التي يصحون بعدها على الواقع الذي يعيشون فيه! هكذا هو فِي زى الإله الذي ألبسوه إياه.
إن المسيح «اللّه» .. لا حساب له في عالم الناس.!
وإنها لخسارة فادحة محققة للإنسانية، إذ تفتقد المسيح إنسانا، حين تراه إلها ..
ثم تتطلع إليه مقام الألوهية، فلا ترى له وجودا .. لأنه عاش على الأرض وصلب، ودفن فِي الأرض .. وأن من كان هذا شأنه، فلن يعود إلى مقام الألوهية أبدا، على فرض أنه كان الإله، وكان اللّه رب العالمين ..
إن مخايل الإنسانية وصفاتها، ومشخصاتها لن تفارقه بحال، ولن تزايل أنظار الناظرين إليه، والمؤمنين به على تلك الصفة ..
أما اللّه سبحانه وتعالى، فهو اللّه الذي تنزّه عن التجسد والتشكل.
اللّه وحده .. لا شريك له! اللّه فِي عظمته وجلاله .. قبل المسيح .. وبعد المسيح! اللّه الذي آمن به آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وجميع أنبياء اللّه، ورسله، ومن استجاب لهم، وسلك سبيلهم!. انتهى انتهى. {التفسير القرآني للقرآن حـ 4 صـ 87 - 115}