عن سنتي فليس مني"."
ثم قال جلَّ ذكره: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) أي: في حدوده أن تعتدوها؛ لعلكم تبلغون مقام الشكر، وإنما يكون ذلك إذا كانت أعمالكم على
سبيل السنة وقوام الاقتداء.
ثم قال عزَّ من قائل: (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا) هذا
خطاب راجع إلى قوله: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ...(90) .
الخمر: ما خامر العقل، ومخامرتها إياه: تغطيتها له.
يقال من ذلك:"خمر إناءك"بمعنى: غطه، ومنه: خمار المرأة.
وكل ما أسكر فهو حرام، وسكرها أشدها على العقل موضع اتصاله بمنبعثه من
الحق، وهو نور باطن به يوجد الميز، وبه يكون الإيمان والهداية، وهو شمس الباطن
وضياؤه، ولكونها مخامرًا للعقل ومسكرًا له حرمه الله تعالى، وهي أيضًا رجس،
والرجس عمل الشيطان، وهو مستقذر نجس أدنى صفاته أنه حرام، لأنه من خطوات
الشيطان، ولأنه رجس ونجس استعماله مع سواه.
وإن غلبت عليه صفات سواه فأزالت إسكاره ومخامرته للعقل، فهو متى وقع
منه شيء في شيء صيَّره نجسًا، ومتى أصاب الثوب منه شيء وجب غسله، وكل ما
شملها من هذه الصفات، وما شغل عن ذكر الله وعن الصلاة، وما أوقع العداوة
والبغضاء، وأكل أموال الناس بالباطل فهو حرام فعله وكسبه.
ومن الفقه فيما هو من سننها أنها لما كانت رجسًا من عمل الشيطان لم يحل
لمسلم أن يعتصرها؛ ليتخمر عنده ثم يخللها، فإنها وإن كانت نجسة برهة من الدهر،
فليس ذلك من سنن المتقين، فإن المقطوع به نجاستها حال إسكارها وكونها
مرصدة لظنون، فكم من مصل لا صلاة له، وكم من تائب لا توبة له.
يقول الله جلَّ من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ
تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) . ولم تخمرت من حيث لا يشعر، ثم