ومن أراد أن يستحضر مثالا حيا لثمرة حكم الجاهلية وثمرة حكم الإسلام، والوليد الشرعي لكل منهما، فليتذكر كيف كان المجتمع العربي في العهد الجاهلي، وكيف أصبح في العهد الإسلامي، وكيف كانت رقعة العالم، الذي أصبح فيما بعد عالما إسلاميا، كيف كانت قبل الإسلام وكيف عادت بعده. وهذا ما يشر إليه قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .
وبطريق الإيماء تفيد هذه الآية الكريمة معنى دقيقا وصريحا لا مناص من لفت النظر إليه، ألا وهو أن كل حكم لم يكن مطابقا لما أنزل الله، ولا مستندا إلى ما أنزله، ولا منسجما مع روحه، ولا مستنبطا منه أو راجعا إليه، أو دائرا في فلكه، بوجه من وجوه الاستنباط وطريقة من طرق الاجتهاد، فهو مندرج تحت حكم
الجاهلية، وداخل تحته دخولا أوليا، مهما أعطي له من الألقاب والأسماء، حيث إن كتاب الله اقتصر عند تعداد أنواع الحكم التي يحكم بها بين الناس على نوعين اثنين لا ثالث لهما: النوع الأول حكم الله، والنوع الثاني حكم الجاهلية، فمن ترك حكم الجاهلية انتقل عنه إلى حكم الله، ومن ترك حكم الله انتقل عنه إلى حكم الجاهلية، وهو في الحقيقة رمز لكل حكم يتنكر للتوجيهات الإلهية والمبادئ الأخلاقية، ويتجاهل وجودها، ويتعمد محاربتها، ويسقط من حسابه ومن تقديره كل علاقة تربطه بمن {لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} ، متجاهلا قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} .