وَالْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ إِذَا كَانَ ذَاتًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا فَهُوَ إِضَافَةُ مَمْلُوكٍ إِلَى مَالِكٍ كَبَيْتِ اللَّهِ، وَنَاقَةِ اللَّهِ وَرُوحِ اللَّهِ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ بَيْتًا يَسْكُنُهُ، وَلَا نَاقَةً يَرْكَبُهَا، وَلَا رُوحًا قَائِمَةً بِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ، وَقَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} .
فَهَذِهِ الرُّوحُ أَيَّدَ بِهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَبِهِ يُؤْمِنُونَ وَعَلَيْهِ يَتَوَكَّلُونَ فَهُوَ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إِلَى الْعَصَا الَّتِي تَنْبُتُ مِنْ بَيْتِ النُّبُوَّةِ.
وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا
وَقَالَ مُوسَى {يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} .
وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَيَّدَهُ اللَّهُ بِرُوحِ الْعِلْمِ وَخَوْفِ اللَّهِ، فَجَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْخَشْيَةِ وَهُمَا الْأَصْلَانِ اللَّذَانِ جَمَعَ الْقُرْآنُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} .
وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً.
وَهَذَا شَأْنُ الْعَبْدِ الْمَحْضِ. وَأَمَّا الْإِلَهُ الْحَقُّ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَلَا يَلْحَقُهُ خَوْفٌ وَلَا خَشْيَةٌ وَلَا يَعْبُدُ غَيْرَهُ، وَالْمَسِيحُ كَانَ قَائِمًا بِأَوْرَادِ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ أَتَمَّ الْقِيَامِ.
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةُ بِقَوْلٍ أَشْعِيَا: إِنَّ غُلَامًا وُلِدَ لَنَا، وَإَنَّنَا أَعْطَيْنَاهُ كَذَا وَكَذَا رِئَاسَةً عَلَى عَاتِقَيْهِ وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ مَلِكًا عَظِيمًا إِلَهًا قَوِيًّا مُسَلَّطًا رَئِيسًا، قَوِيَّ السَّلَامَةِ فِي كُلِّ الدُّهُورِ، وَسُلْطَانُهُ كَامِلٌ لَيْسَ لَهُ فَنَاءٌ. قِيلَ لَكُمْ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمَسِيحُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.