أَحِنُّ إِلَيْهِ وَهْوَ فِي الْقَلْبِ سَاكِنٌ ... فَيَا عَجَبًا لِمَنْ يَحِنُّ لِقَلْبِهِ
وَمَنْ غَلُظَ طَبْعُهُ، وَكَشَفَ فَهْمُهُ عَنْ فَهْمِ مِثْلِ هَذَا، لَمْ يَكْثُرْ عَلَيْهِ أَنْ يَفْهَمَ مِنْ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَحِلُّ فِي الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَتَتَّحِدُ بِهَا وَتَمْتَزِجُ بِهَا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَإِنْ قُلْتُمْ: أَوْجَبْنَا لَهُ الْإِلَهِيَّةَ مِنْ قَوْلِ أَشْعِيَا: مِنْ أَعْجَبِ الْأَعَاجِيبِ أَنَّ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ سَيُولَدُ مِنَ الْبَشَرِ.
قِيلَ: لَكُمْ هَذَا، مَعَ أَنَّ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى صِحَّةِ الْكَلَامِ عَنْ أَشْعِيَا، وَأَنَّهُ لَمْ يُحَرَّفْ بِالنَّقْلِ مِنْ تَرْجَمَةٍ إِلَى تَرْجَمَةٍ، وَأَنَّهُ كَلَامٌ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، تَنْبِيهٌ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ يُوَلَدُ مِنْهُ، لَا مِنَ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا مِنْ قَوْلِ مَتَّى فِي الْإِنْجِيلِ: إِنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ يُرْسِلُ مَلَائِكَتَهُ وَيَجْمَعُونَ كُلَّ الْمُلُوكِ فَيُلْقُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ.
قِيلَ: هَذَا كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ رَبُّ الْأَرْبَابِ وَلَا أَنَّهُ خَالِقُ الْمَلَائِكَةِ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي الْهَاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى الْمَسِيحِ، قَوْلُ مُرْقُسَ فِي إِنْجِيلِهِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فِي هَذَا الْمَعْنَى: فَابْنُ الْإِنْسَانِ يَفْضَحُهُ إِذَا جَاءَ فِي مِحْرَابِهِ وَمَلَائِكَتِهِ الْمُقَدِّسِينَ، فَافْهَمْ ذَلِكَ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ الْمَسِيحَ سَفِيرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَعْضِ مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ فِي جَمِيعِ مُلُوكِ الْكُفْرِ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ لِدِينِهِ مِنْ عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ وَإِدْخَالِهِمُ النَّارَ.