وَكَذَلِكَ مَا أُطْلِقَ مِنْ حُلُولِ رُوحِ الْقُدُسِ فِيهِ، وَظُهُورِ الرَّبِّ فِيهِ أَوْ فِي مَكَانِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي نَظِيرِ شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ طَوَائِفُ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ مَا يَحِلُّ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَنُورِهِ وَهُدَاهُ، فَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ نَفْسُ ذَاتِ الرَّبِّ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، وَهُوَ مَا فِي قُلُوبِ الْمَلَائِكَةِ وَأَنْبِيَائِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَإِجْلَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ}
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ}
فَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ يَعْرِفُونَهُ وَيُحِبُّونَهُ، وَيُجِلُّونَهُ أَنْ يُقَالَ هُوَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَالْمُرَادُ مَحَبَّتُهُ وَمَعْرِفَتُهُ وَالْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي قُلُوبِهِمْ لَا نَفْسَ ذَاتِهِ، وَهَذَا أَمُرُّ تَعْتَادُهُ النَّاسُ فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ وَمُحَاوَرَاتِهِمْ، يَقُولُ الْإِنْسَانُ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ فِي قَلْبِي وَلَا زِلْتَ فِي عَيْنِي كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
وَمِنْ عَجَبٍ أَنِّي أَحِنُّ إِلَيْهُمُ ... وَأَسْأَلُ عَنْهُمْ مَنْ لَقِيتُ، وَهُمْ مَعِي ... وَتَطْلُبُهُمْ عَيْنِي، وَهُمْ فِي سَوَادِهَا
وَيَشْتَاقُهُمْ قَلْبِي، وَهُمْ بَيْنَ أَضْلُعِي
وَقَالَ آخَرُ:
خَيَالُكَ فِي عَيْنِي وَذِكْرُكَ فِي فَمِي ... وَمَثْوَاكَ فِي عَيْنِي فَأَيْنَ تَغِيبُ
وَقَالَ آخَرُ فِي الْمَعْنَى وَأَجَادَ:
إِنْ قُلْتُ غِبْتِ فَقَلْبِي لَا يُصَدِّقُنِي ... إِذْ أَنْتِ فِيهِ فَدَتْكِ النَّفْسُ لَمْ تَغِبِ
أَوْ قُلْتُ مَا غِبْتِ قَالَ الطَّرْفُ ذَا كَذِبٌ ... فَقَدْ تَحَيَّرْتُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ
وَقَالَ آخَرُ: (فِي الْمَعْنَى مُفْرَدٌ)