قال الفراء: ومثله مما يجوز أن يُستثنى الأسماء وليس قبلها شيء ظاهر قولك: إني لأكره الخصومة والمراء، اللهم إلا رجلاً، يريد بذلك الله، فجاز استثناء الرجل ولم يذكر قبله شيء من الأسماء، لأن الخصومة والمراء لا يكونان إلا من الآدميين.
فأما التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء:"يريد الضيافة، ينزل الرجل بالرجل عنده سعةٌ فلا يضيفه، فإن تناوله بلسانه فقد عذره الله".
وهذا قول مجاهد وسعيد بن المسيب وجميع أهل المعاني.
وزعم مجاهد أن ضيفًا تضيف قومًا فأساءوا قراه، فاشتكاهم، فنزلت هذه الآية رخصةً في أن يشكو.
وذهب جماعة من المفسرين إلى أن هذه الآية عامة في كل مظلوم، وله أن ينتصر من ظالمه بالدعاء عليه. يُروى ذلك عن ابن عباس وقتادة والحسن والسدي وابن زيد ويمان بن رئاب.
قال العلماء: للمظلوم أن يشكو من ظالمه إذا صدق في شكايته، وله أن يدعو عليه بما لا يعتدي فيه، مثل أن يقول: اللهم استخرج حقي منه، اللهم حِلْ بينه وبين ما يريد من الظلم، اللهم اكفني شره.
فإن قذف إنسانٌ غيره، فليس للمقذوف، أن يقابله بمثل ذلك، وإنما يحل له الانتصار منه بالتعزير ورفع الصوت عليه بالتظلم منه، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"المستبان شيطانان".
وقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} قال ابن عباس:"سميعًا لقول المظلوم الضيافة، عليمًا بما في قلبه".
قال أهل المعاني: معنى قوله: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} التحذير من التعدي في الجهر الذي أذن فيه بما يظهر أو يضمر، فليتق الله ولا يقل إلا الحق، ولا يقذفه مستورًا فإنه عاص بذلك، والله سميع لما يقوله، عليم بما يضمره.
149 -قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا} قال ابن عباس:"يريد من أعمال البر، مثل: الصدقة والضيافة والصلة".