وباستثناء حديث البخاري عن ابن عباس فإنه ليس شيء من الروايات الأخرى واردا في الصحاح. وبعض الروايات يقتضي أن تكون بعض الآيات أو جملة منها مكية لأن الهجرة إلى الحبشة إنما كانت أثناء العهد المكي. وبعضها يقتضي أن تكون الآيات نزلت متفرقة بل أن يكون بعض جمل من الآيات نزلت لحدتها في حين أنها وحدة تامة منسجمة، ويلحظ- بالإضافة إلى هذا ثم بالإضافة إلى ما لحظناه من بعد احتمال نزول الآيات قبل أو عقب وقعة بدر- أنه ليس فيها ما يساعد على التسليم بصحة ما جاء في الروايات من اشتراك المسلمين المتخلفين في وقعة بدر إلى جانب المشركين. وكل ما تفيده أنهم كانوا يعتذرون بكونهم مستضعفين فقط. ولقد أهدرت الآيات [88 - 89] من هذه السورة دم المنافقين لأنهم لم يتضامنوا في الجهاد مع المسلمين واعتبرتهم كفارا على ما شرحناه قبل.
وما روته الروايات عن المسلمين المتخلفين أشد وأبشع من ذلك. ولو كان هذا صحيحا لما كان أي معنى للاحتجاج الذي حكته الآيات عن لسانهم.
يضاف إلى هذا كله أن أسلوب الآيات التي هي كما قلنا وحدة تامة منسجمة مطلق وشامل. والذي يتبادر لنا أن بعض أصحاب رسول الله من المهاجرين ذكروا الذين تخلفوا من المسلمين في مكة أو تذاكروا في أمرهم ومصيرهم في مناسبة ما.
ولعلها كانت الآيات [88 - 89] من السورة التي تهدر دم المنافقين لعدم هجرتهم في سبيل الله وتضامنهم مع المسلمين في الجهاد في هذا السبيل فاقتضت حكمة التنزيل وحي الآيات بالأسلوب الذي جاءت به. ونميل إلى القول بأن الروايات التي قد يكون بعض ما جاء فيها صحيحا من حيث الوقائع قد سيقت على هامش الآيات على سبيل التطبيق وفيها صور من السيرة النبوية في عهدها المدني. وقولنا ينطبق على حديث البخاري عن ابن عباس. وأسلوبه وفحواه يدلان بقوة على أن كلامه كان من قبيل التطبيق والاجتهاد. والله أعلم.