ولما كانت الآيات [71 - 89] قد احتوت حملة على مرضى القلوب والمنافقين الذين يبطئون عن الجهاد ويخلفون وعدهم بذلك وأهدرت دم المنافقين إذا ظلوا على موقفهم ولم يتضامنوا في الجهاد مع المؤمنين على ما شرحناه في سياقها فالذي يتبادر لنا أن فريقا من المخلصين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم الذي يقعد عن الجهاد أحيانا لسبب ما وهو مخلص في إيمانه عقب نزول الآيات المذكورة فأوحي بالآيتين جوابا على ذلك مؤذنين بتسامح الله عزّ وجلّ للمخلصين الذين لا يعتذرون كذبا ولا تهربا ولو لم تكن أعذارهم قوية ظاهرة. هذا، وما جاء في النص باستثناء ذوي الضرر فالحكمة فيه جلية. وقد تكرر هذا في آيات سورة الفتح في سياق الحضّ على الجهاد حيث جاء فيه لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [17] وفي سياق آيات تندد بالممترين في سورة التوبة حيث جاء فيه لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ [91] .
ولا يبعد أن تكون الآيتان قد نزلتا بعد الآيات التي سبقتها فوضعتا مكانهما للتناسب الظرفي والموضوعي وإلا فتكونان قد وضعتا في مكانهما للتناسب الموضوعي.
ويلفت النظر إلى ما في جملة وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى من لفتة ربانية كريمة
إلى القاعدين من المؤمنين لأسباب مقبولة فيها تطمين لهم بسبب ما يعرف من إخلاصهم. وفي هذا كذلك تلقين مستمر المدى في صدد من يعرف منه الإخلاص وحسن النية وصدق الطوية ولو لم يشترك اشتراكا فعليا في الحركات الجهادية لأسباب مقبولة.
ولقد روى البخاري ومسلم والترمذي عن أنس حديثا جاء فيه «إنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزاة فقال إنّ أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا ولا واديا إلّا وهم معنا فيه حبسهم العذر» حيث ينطوي في الحديث توضيح وتدعيم.