ويلحظ أن الآية [92] اقتصرت على الإنذار القاصم الأخروي للمؤمن الذي يقتل مؤمنا عمدا دون تعيين عقاب دنيوي. ويمكن أن يقال إن روح الآيتين تلهم أن هدفهما الرئيسي هو تعظيم دم المؤمن على المؤمن والتشديد فيه حتى ولو كان خطأ ثم تغليظ إثمه وجريمته بالإنذار الرهيب إذا كان عمدا والذي هو على سمع المؤمن ونفسه أشدّ وقعا وأكثر هولا فاقتضت حكمة التنزيل الاقتصار عليه في هذا المقام توكيدا لذلك الهدف والاكتفاء بتشريع قتل الخطأ الذي يعفو الله عنه إذا أدى فاعله الدية وتقدم إلى الله بالتوبة والكفارة.
وواضح أن هذا يظل تلقينا مستمر المدى بوجوب احترام المؤمن لدم أخيه وشدة احترازه من سفكه ولو خطأ فضلا عن العمد.
ولقد رويت أحاديث نبوية عديدة في تعظيم دم المؤمن على المؤمن وعظم إثم قتله. منها حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله جاء فيه «قال النبي صلى الله عليه وسلم: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء وفي رواية أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء» . وحديث ثان
رواه البخاري وأبو داود عن ابن عمر جاء فيه «قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» . وحديث ثالث رواه أبو داود والنسائي جاء فيه «كلّ ذنب عسى الله أن يغفره إلّا من مات مشركا أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدا» . وحديث رابع رواه الترمذي والنسائي جاء فيه «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم» وحديث خامس رواه الترمذي جاء فيه «لو أنّ أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبّهم الله في النار» ، حيث يتساوق التلقين القرآني مع التلقين النبوي في هذا الأمر شأنهما في كل أمر.