ولقد روى المفسرون روايات في مناسبة نزول كل من الآيتين. فرووا في نزول الأولى أنها نزلت في مسلم اسمه عياش بن أبي ربيعة قتل شخصا اسمه الحرث بن يزيد العامري كان احتال عليه وخطفه من المدينة ثم عذبه وجلده فحلف أن يقتله إذا تمكن منه ثم لقيه في حرة المدينة وكان جاء من مكة مسلما مهاجرا فقتله دون أن يعلم أنه أسلم. كما رووا أنها نزلت في أبي الدرداء وكان في سرية جهاد فلقي رجلا معه غنم فبادره هذا بكلمة التوحيد فلم يصدقه وقتله وسلب الغنم. فلما رجعوا إلى النبي أنّبه وغضب لعدم تصديقه وقال له فيما قال «هلّا شققت قلبه» . ورووا في نزول الآية الثانية أنها نزلت في شخص مسلم اسمه مقبس وجد أخاه مقتولا في محلة بني النجار في المدينة فراجع النبي فأرسل معه رجلا من بني النجار يبلغهم عن لسانه أن يسلموا القاتل للقصاص منه إذا كانوا يعرفونه أو يدفعوا الدية لأخيه إذا لم يكونوا يعرفونه فأنكروا معرفة القاتل ودفعوا الدية ولكن الأخ بعد قبضه الدية غدر بالنجاري الذي أرسله معه رسول الله فقتله بدم أخيه ثم رحل إلى مكة حيث كان قومه مرتدا كافرا. وتأثر النبي صلى الله عليه وسلم منه وقال «لن أؤمنه في حل أو حرم ولا سلم ولا حرب» فقتل يوم الفتح.
ولم يرد شيء من هذه الروايات في الصحاح. وقد رويت رواية مماثلة
للرواية التي ذكر فيها أبو الدرداء في مناسبة نزول الآية التي تأتي بعد هذه الآيات.
ويلحظ أن الروايات تجعل الآيتين منفصلتين وتفيد نزول كل منهما في مناسبة وظرف غير مناسبة وظرف نزول الأخرى. في حين أنهما كما يبدو من أسلوبهما وحدة منسجمة تسوغ القول إنهما نزلتا معا. ولقد بينت الآيات السابقة حكم غير المسلمين في مواقفهم من المسلمين ومواقف المسلمين منهم، وبينت هاتان الآيتان حكم قتل المؤمن للمؤمن مما فيه تناسب ما. وقد تكون الآيتان نزلتا بعد سابقاتهما فوضعتا في مكانهما بسبب التناسب الموضوعي والظرفي أو تكونان نزلتا في ظرف آخر فوضعتا مكانهما بسبب التناسب الموضوعي. وهذا لا يمنع بطبيعة الحال أن يكون وقع أحداث مماثلة لبعض ما روي في الروايات فتليت الآيات لبيان الحكم، فالتبس الأمر على الرواة والله تعالى أعلم.