وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي ذَلِكَ , فَمِنْ رَاو رَوَى أَنَّهُ اسْتَسْلَمَ بِأَنْ شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ وَقَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ؛ وَمِنْ رَاو رَوَى أَنَّهُ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ , فَحَيَّاهُمْ تَحِيَّةَ الْإِسْلَامِ , وَمِنْ رَاو رَوَى أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا بِإِسْلَامٍ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ قَبْلَ قَتْلِهِمْ إِيَّاهُ. وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي يَجْمَعُهَا السَّلَمُ , لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مُسْتَسْلِمٌ , وَالْمُحَيِّي بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ مُسْتَسْلِمٌ , وَالْمُتَشَهِّدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ مُسْتَسْلِمٌ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ , فَمَعْنَى السَّلَمِ جَامِعٌ جَمِيعَ الْمَعَانِي الَّتِي رُوِيَتْ فِي أَمْرِ الْمَقْتُولِ الَّذِي نَزَلَتْ فِي شَأْنِهِ هَذِهِ الْآيَةُ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي السَّلَامِ , لِأَنَّ السَّلَامَ لَا وَجْهَ لَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَّا التَّحِيَّةَ , فَلِذَلِكَ وَصَفْنَا السَّلَمَ بِالصَّوَابِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: كَمَا كَانَ هَذَا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَعْدَ مَا أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ مُسْتَخْفِيًا فِي قَوْمِهِ بِدِينِهِ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُمْ , كُنْتُمْ أَنْتُمْ مُسْتَخْفِينَ بِأَدْيَانِكُمْ مِنْ قَوْمِكُمْ حَذَرًا عَلَى أَنْفُسِكُمْ مِنْهُمْ , فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ.
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ} تَكْتُمُونَ إِيمَانَكُمْ فِي الْمُشْرِكِينَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: كَمَا كَانَ هَذَا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَعْدَ مَا أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ كَافِرًا كُنْتُمْ كُفَّارًا , فَهَدَاهُ كَمَا هَدَاكُمْ
وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ , وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَذَلِكَ كُنْتُمْ تُخْفُونَ إِيمَانَكُمْ فِي قَوْمِكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَنْتُمْ مُقِيمِينَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ , كَمَا كَانَ هَذَا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ مُقِيمًا بَيْنَ أَظْهُرِ قَوْمِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ , مُسْتَخْفِيًا بِدِينِهِ مِنْهُمْ.