الحجة الحادية عشرة: أن عند أبي حنيفة تصح الصلاة بجميع الآيات ، ولا شك أنه قد حصل فِي التوراة آيات كثيرة مطابقة لما فِي القرآن من الثناء على الله ومن تعظيم أمر الآخرة وتقبيح الدنيا.
فعلى قول الخصم تكون الصلاة صحيحة بقراءة الإنجيل والتوراة ، وبقراءة زيد وإنسان ، ولو أنه دخل الدنيا وعاش مائة سنة ولم يقرأ حرفاً من القرآن بل كان مواظباً على قراءة زيد وإنسان فإنه يلقى الله تعالى مطيعاً ومعلوم بالضرورة أن هذا الكلام لا يليق بدين المسلمين.
الحجة الثانية عشرة: أنه لا ترجمة للفاتحة ألا نقول الثناء لله رب العالمين ورحمان المحتاجين والقادر على يوم الدين أنت المعبود وأنت المستعان إهدنا إلى طريق أهل العرفان لا إلى طريق أهل الخذلان ، وإذا ثبت أن ترجمة الفاتحة ليست إلا هذا القدر أو ما يقرب منه فمعلوم أنه لا خطبة إلا وقد حصل فيها هذا القدر فوجب أن يقال الصلاة صحيحة بقراءة جميع الخطب ، ولما كان باطلاً علمنا فساد هذا القول.
الحجة الثالثة عشرة: لو كان هذا جائزاً لكان قد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان الفارسي فِي أن يقرأ القرآن بالفارسية ويصلي بها ، ولكان قد أذن لصهيب فِي أن يقرأ بالرومية ، ولبلال فِي أن يقرأ بالحبشية ؛ ولو كان هذا الأمر مشروعاً لاشتهر جوازه فِي الخلق فإنه يعظم فِي أسماع أرباب اللغات بهذا الطريق ، لأن ذلك يزيل عنهم أتعاب النفس فِي تعلم اللغة العربية ، ويحصل لكل قوم فخر عظيم فِي أن يحصل لهم قرآن بلغتهم الخاصة ، ومعلوم أن تجويزه يفضي إلى اندراس القرآن بالكلية ، وذلك لا يقوله مسلم.