ودافعنا عن أنفسنا. فأتاه فأخبره خبرها وحدّثه أنّه يجد في كتابهم نبيا من أهل مكّة يدعى أحمد ينزلها ويتبعه ناس من سكانها وأخبره بصنيعهم إلى قومه الذين معهم من الأوس والخزرج. فوقع قوله في نفسه، فأقام بعد ذلك أياما لا يرى أمرهم يزداد إلا شدة ولا يزداد أصحابه إلّا جهدا. فلمّا رأى ذلك ارتحل منها عامدا إلى مكّة، فلمّا شارفها أخبر أن لذلك البيت ربا يمنعه وأنّه لا يصل إليه، وأن ما حوله حرام للوحش والسباع، وحذّر أن يصيبه ما أصاب من انتهك حرمات الله، وقيل له: إن هؤلاء قوم أرادوا هلكتك فتوقّ على نفسك ومن معك. فرأى ذلك كما يرى ما يصدّقه، وذكر قول حبر بني قريظة أنّه يبعث منها نبي يظهر على من ناوأه من الناس، فقال لأصحابه: عليكم بهؤلاء الذين غرّوني وأرادوا هلكتي. فأغار على هذيل بأرضهم فأخذ أموالهم وقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، ثم رجع إلى اليمن فعند ذلك يقول تبع:
ولقد حلفت يمين صدق مؤليا ... قسما لعمرك غيرما أتهدّد
في غزوتي ألا أغادر جاهدا ... بشرا ولا عذقا بيثرب يخلد
حتى أتاني من قريظة عالم ... حبر لعمرك في اليهود مسوّد
قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبيّ مكة من قريش المهتد
فصفحت عنهم صفح غير مثرّب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد
وتركتهم لله أرجو دفعه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد
ولقد تركت له بها من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس أيّد
نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد
ما كنت أعلم أنّ بيتا طيّبا ... لله في بطحاء مكّة يورد
حتى أتاني من هذيل أعبد ... بالطفّ من جمدان دون المرصد
فوقها في المخطوطة «ليس بالمتهدد» .
حاشية: العذق النخلة.
في الحاشية: صلى الله عليه.