فهرس الكتاب

الصفحة 597 من 865

والمقصود أن استقبال القبلة يسقط عن العاجز عنه، وقد لا يتيسر لهذا العاجز أن يصلي إلا مستقبلًا بيت المقدس، فيكون قد أتى الحكم المنسوخ لعدم استطاعته إتيان الناسخ.

وكذلك نقول في مسألة الجهاد: إن من لم يكن قادرًا على امتثال أحكام المرحلة الأخيرة لم يكلف بها، وكانت له مندوحة في الأخذ بما قبلها من الأحكام المنسوخة دون أن يعني ذلك أن تلك المراحل ليست بمنسوخة.

وإذن فلا يمنع القولَ بالنسخ أن لا تتمكن فئة من المسلمين-قلت أو كثرت- من العمل بالناسخ، ونحن نعلم أنه كان في مكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم مستضعفون من المؤمنين وظلوا كذلك إلى فتح مكة، وكانت أحكام القتال تنزل وهم غير مطالبين بها لضعفهم ولم يكن ذلك قادحًا في انتهاء مرحلة العفو والصفح، وأهل العلم من السلف ومن بعدهم حين قالوا بنسخ مراحل الجهاد السابقة لم يكن يخفى عليهم أنه حال نزول الآيات الناسخة كان هناك فريق من المؤمنين لا يستطيعون القيام بالحكم الجديد، ولم يمنعهم ذلك من القول بالنسخ لعلمهم أنه لا يقدح في كون الحكم منسوخًا أن لا يستطيع البعض امتثال الناسخ وترك المنسوخ.

أما إن كان المقصود بالنسء أنه يمكن أن يعود حكم الجهاد بالنسبة للأمة كلها إلى ما كان عليه الحال في العصر المكي، بحيث يكون فرض جميع أفرادها العفو والصفح وعدم القتال مطلقًا، فإن ذلك خطأ بلا ريب، إذ هو مخالف لما قد صح في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) [1] .

(1) أخرجه بهذا الفظ مسلم (156) ، (1923) وأحمد (3/ 345) ، (3/ 384) وابن حبان (678. - إحسان) وابن الجارود في المنتقى (1.31) من حديث جابر بن عبد الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت