فقد أقر الزركشي رحمه الله بأن آية السيف ناسخة لآيات الصفح والعفو، وزاد على ذلك أن جعل آية السيف منسوخة بآية سيف أهل الكتاب [1] .
وإذن فقد اختلف قول الزركشي في هذه المسألة ومثله السيوطي فمرة قالا بالنسخ ومرة قالا بالنسء، ومع ذلك فقد اعتمد بعض المعاصرين قولهما بالنسء ولم ينتبهوا إلى قولهما الآخر مع أنه الموافق لقول جماهير أهل العلم من السلف والخلف.
إن الصواب في هذه المسألة والله أعلم أنه إن كان المقصود من القول بالنسء أن للمسلم حال الضعف أن يأخذ نفسه بالصفح والعفو والكف عن الجهاد، فإن ذلك معنى صحيح لما تقرر من أن القدرة شرط في وجوب الجهاد وغيره من الواجبات الشرعية، لكن لا حاجة لمخالفة ما استقر عليه أهل العلم من السلف والخلف من أن المرحلة الأخيرة ناسخة لما قبلها من المراحل، ذلك أنه لا ينافي القول بالنسخ أن نقول: إنه يجوز للمكلف أن يعمل بآيات الصفح والعفو عند عجزه وعدم قدرته على الجهاد، ويكون ذلك من باب سقوط الواجب للعجز عنه.
فالأمر بامتثال الناسخ وترك المنسوخ مشروط بالقدرة التي هي شرط وجوب الأحكام؛ وذلك لأن النص الناسخ مثله مثل أي نص شرعي آخر: إن كان ناهيًا عن شيء وجب اجتنابه فلا يجوز إتيانه إلا للضرورة التي تقدر بقدرها، وإن كان آمرًا بشيء وجب إتيانه قدر الطاقة؛ كما
(1) والأرجح والله أعلم أن قوله (حتى يعطوا الجزية عن يد) ليس ناسخًا لآية السيف بل هو مخصص لها كما بينه القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن (1/ 11.) .