تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الكفر والشرك مبيحٌ للقتل والقتال، فمتى ثبت كفر الرجل انتفت عنه عصمة الدم والمال، وجاز قتله، ولا يعصم دمه وماله إلا دخول في إسلام، أو عقد صلح أو ذمة أو أمان، وهذا أمر الله في كتابه وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفِعْلُه، وفَهْمُ الصحابة لمقتضى أمر الله ورسوله، وفهم من يعتد بقوله من علماء الأمة الثقات الأثبات سلفًا وخلفًا.
-الدليل الأول: قال تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} وقال سبحانه {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} .
قال الطبري رحمه الله [1] : (يعني حتى لا يكون شرك بالله وحتى لا يعبد دونه أحد وتضمحل عبادة الأوثان الآلهة والأنداد وتكون العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان) .
وقال الجصَّاص رحمه الله [2] : (قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} يوجب فرض قتال الكفار حتى يتركوا الكفر قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع بن أنس:"الفتنة ههنا الشرك"، وقيل: إنما سمي الكفر فتنة لأنه يؤدي إلى الهلاك كما يؤدي إليه الفتنة، وقيل: إن الفتنة هي الاختبار، والكفر عند الاختبار إظهار الفساد، وأما الدين فهو الانقياد لله بالطاعة، وأصله في اللغة ينقسم إلى معنيين: أحدهما: الانقياد ... والآخر: العادة ... والدين الشرعي هو الانقياد لله عز وجل والاستسلام له على وجه المداومة والعادة) .
وقال ابن العربي رحمه الله [3] : (أن سبب القتل هو الكفر بهذه الآية ; لأنه تعالى قال {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} ; فجعل الغاية عدم الكفر نصًا، وأبان فيها أن سبب القتل المبيح للقتال الكفر وقد ضل أصحاب أبي حنيفة عن هذا، وزعموا أن سبب القتل المبيح للقتال هي الحرابة، وتعلقوا بقول الله تعالى {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} وهذه الآية تقضي عليها التي بعدها ; لأنه أمر أولًا بقتال من قاتل، ثم بين أن سبب قتاله وقتله كفره الباعث له على القتال، وأمر بقتاله مطلقًا من غير تخصيص بابتداء قتال منه فإن قيل: لو كان المبيح للقتل هو الكفر لقتل كل كافر وأنت تترك منهم النساء والرهبان ومن تقدم ذكره معهم؛ فالجواب: أنا إنما تركناهم مع قيام المبيح بهم لأجل ما عارض الأمر من منفعة أو مصلحة: أما المنفعة فالاسترقاق فيمن يسترق ; فيكون مالًا وخدمًا، وهي الغنيمة التي أحلها الله تعالى لنا من بين الأمم، وأما المصلحة فإن في استبقاء الرهبان باعثًا على تخلي رجالهم عن القتال فيضعف حربهم ويقل حزبهم فينتشر الاستيلاء عليهم) .
وقال أيضًا رحمه الله [4] : (قوله تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} إباحةٌ لقتالهم وقتلهم إلى غاية هي الإيمان .. ) .
وقال القرطبي رحمه الله [5] :(قوله تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ} أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع، على من رآها ناسخة.
ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: فإن قاتلوكم والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار دليل ذلك قوله تعالى: {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} ، وقال عليه السلام:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"فدَّلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر لأنه قال: {حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي كفر، فجعل الغاية عدم الكفر، وهذا ظاهر قال ابن عباس وقتادة والربيع والسدي وغيرهم: الفتنة هنا الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين) .
وقال الشوكاني رحمه الله [6] : (فيه الأمر بمقاتلة المشركين إلى غاية هي أن لا تكون فتنة وأن يكون الدين لله، وهو الدخول في الإسلام، والخروج عن سائر الأديان المخالفة له، فمن دخل في الإسلام
(1) 1 تفسير الطبري (2/ 194) .
(2) 2 أحكام القرآن (1/ 358) .
(3) 3 أحكام القرآن (1/ 155) .
(4) 1 أحكام القرآن (1/ 156) .
(5) 2 الجامع لأحكام القرآن (2/ 353) .
(6) 3 فتح القدير (1/ 191) .