مِنْهُ التَّصْدِيقُ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَصْلًا لِانْعِدَامِ دَلِيلِهِ وَهُوَ الْإِقْرَارُ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ ثُمَّ ارْتَدَّ يُقْتَلُ لِوُجُودِ الرِّدَّةِ مِنْهُ بِوُجُودِ دَلِيلِهَا وَهُوَ الْإِقْرَارُ، فَلَمْ يَكُنْ الْمَوْجُودُ مِنْهُ رِدَّةً حَقِيقَةً فَلَا يُقْتَلُ، وَلَكِنَّهُ يُحْبَسُ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْبُلُوغِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ؟ وَالْحُكْمُ فِي إكْسَابِهِ كَالْحُكْمِ فِي إكْسَابِ الْمُرْتَدِّ ; لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ حُكْمًا وَسَنَذْكُرُ الْكَلَامَ فِي إكْسَابِ الْمُرْتَدِّ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ - اللَّهُ تَعَالَى.
(7611) فَصْلٌ: وَلَا تُقْتَلُ امْرَأَةٌ، وَلَا شَيْخٌ فَانٍ. وَبِذَلِكَ قَالَ وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّايِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَمُجَاهِدٍ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قوله تعالى: {وَلَا تَعْتَدُوا} . يَقُولُ: لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَجُوزُ قَتْلُ الشُّيُوخِ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {اُقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ، وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} . وَهَذَا عَامٌّ يَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهِ الشُّيُوخَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْرِفُ حُجَّةً فِي تَرْكِ قَتْلِ الشُّيُوخِ يُسْتَثْنَى بِهَا مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} . وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا نَفْعَ فِي حَيَاتِهِ، فَيُقْتَلُ كَالشَّابِّ. وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا، وَلَا امْرَأَةً} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فِي سُنَنِهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رضي الله عنه أَنَّهُ وَصَّى يَزِيدَ حِينَ وَجَّهَهُ إلَى الشَّامِ، فَقَالَ: لَا تَقْتُلْ صَبِيًّا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا هَرِمًا. وَعَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ وَصَّى سَلَمَةَ بْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ: لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً، وَلَا صَبِيًّا، وَلَا شَيْخًا هَرِمًا. رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ،
(1) المغني لابن قدامة - (ج 21 / ص 155)