: الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ وَهَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ {: فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَاقْبَلُوا مِنْهُمْ وَكُفُّوا عَنْهُمْ وَإِلَّا فَأَخْبِرُوهُمْ أَنَّهُمْ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَلَا فِي الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ} وَهَذَا كَانَ الْحُكْمَ حِينَ كَانَتْ الْهِجْرَةُ فَرِيضَةً فَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يُعْلِمُوهُمْ بِذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى لِالْتِزَامِهِمْ وَانْقِيَادِهِمْ لِدِينِ الْحَقِّ وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَلَا الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ لِامْتِنَاعِهِمْ مِنْ الْجِهَادِ وَالْقِيَامِ بِنُصْرَةِ الدِّينِ أَوْ الِاشْتِغَالُ بِتَعَلُّمِ أَحْكَامِ الدِّينِ فَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ النَّصِيبَ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ لِهَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ.
وفي بدائع الصنائع: وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى الْغُزَاةِ الِافْتِتَاحُ بِهِ حَالَةَ الْوَقْعَةِ، وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ [1]
(فَصْلٌ) : وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى الْغُزَاةِ الِافْتِتَاحُ بِهِ حَالَةَ الْوَقْعَةِ، وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ، فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ كَانَتْ الدَّعْوَةُ قَدْ بَلَغَتْهُمْ، وَإِمَّا أَنْ كَانَتْ لَمْ تَبْلُغْهُمْ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَةُ لَمْ تَبْلُغْهُمْ فَعَلَيْهِمْ الِافْتِتَاحُ بِالدَّعْوَةِ إلَى الْإِسْلَامِ بِاللِّسَانِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - {اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْقِتَالُ قَبْلَ الدَّعْوَةِ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ فَاسْتَحَقُّوا الْقَتْلَ بِالِامْتِنَاعِ، لَكِنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - حَرَّمَ قِتَالَهُمْ قَبْلَ بَعْثِ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام وَبُلُوغِ الدَّعْوَةِ إيَّاهُمْ فَضْلًا مِنْهُ وَمِنَّةً قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ لَا عُذْرَ لَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ ; لِمَا أَقَامَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - مِنْ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي لَوْ تَأَمَّلُوهَا حَقَّ التَّأَمُّلِ، وَنَظَرُوا فِيهَا لَعَرَفُوا حَقَّ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عَلَيْهِمْ، لَكِنْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ; لِئَلَّا يَبْقَى لَهُمْ شُبْهَةُ عُذْرٍ {فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ
(1) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - (ج 15 / ص 279)